وأما الشيء الذي ليس بجسم، ولا يحتاج قوامه إلى الجسم، وهو منزه بالجملة عن الجسميات فلا يتصور فساده البتة". (9) وبفعل هذه التأملات سيكون من الطبيعي أن يفكر ابن يقظان بحقيقة الكون والخالق العظيم الذي رتب الأسباب التي لابد لها من نهاية تبدأ منها، فقد تبين له أن الكون "هو أشبه شيء بشخص من أشخاص الحيوان، ومافيه من الكواكب المنيرة هي بمنزلة حواس الحيوان، ومافيه من ضروب الأفلاك المتصل بعضها ببعض هي بمنزلة أعضاء الحيوان، وما في داخله من عالم الكون والفساد هي بمنزلة ما في جوف الحيوان من أصناف الفضول والرطوبات التي كثيراً ما يتكون فيها أيضاً حيوان كما يتكون في العالم الأكبر"(10) ولكن هل العالم الذي يراه، قديم لا بداية له، أم محدث؟... وهنا ستبدو له عدة احتمالات لا يمكن أن يخرج عنها "إنه إن اعتقد حدوث العالم وخروجه إلى الوجود بعد العدم، فاللازم عن ذلك ضرورة أنه لا يمكن أن يخرج إلى الوجود بنفسه، وأنه لابد له من فاعل يخرجه إلى الوجود، وأن ذلك الفاعل لا يمكن أن يدرك بشيء من الحواس، لأنه لو أدرك بشيء من الحواس لكان جسماً من الأجسام، ولو كان جسماً من الأجسام لكان من جملة العالم وكان حادثاً واحتاج إلى محدث، ولو كان ذلك المحدث الثاني أيضاً جسماً لاحتاج إلى محدث ثالث، والثالث إلى رابع، ويتسلسل ذلك إلى غير نهاية، وهو باطل؛ فإذن لابد للعالم من فاعل ليس بجسم؛ وإذا لم يكن جسماً فليس إلى إدراكه بشيء من الحواس سبيل، لأن الحواس الخمس لا تدرك إلا الأجسام أو ما يلحق بالأجسام، وإذا كان لا يمكن أن يُحسَّ، فلا يمكن أن يُتخيل لأن التخيل ليس شيئاً إلا إحضار صور المحسوسات بعد غيبها؛ وإذا لم يكن جسماً فصفات الأجسام كلها تستحيل عليه، وأول صفات الأجسام هو الامتداد في الطول والعرض والعمق وهو منزه عن ذلك وعن جميع ما يتبع هذا الوصف من صفات الأجسام"(11).
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٩٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٤٩٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي