تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا سنواجه تشبيه ابن طفيل للجوهر الذي يمد المادة بالفاعلية، بالماء الذي يأخذ شكل الأواني التي صُبَّ فيها، فالروح "لم يختلف إلا أنه انقسم على قلوب كثيرة، وإنه لو أمكن أن يجمع جميع الذي افترق في تلك القلوب منه ويجعل في وعاء واحد لكان كله شيئاً واحداً بمنزلة ماء واحد أو شراب واحد يفرق على أوان كثيرة ثم يجمع بعد ذلك" ولكن هذه الأواني اختلفت فاعلياتها بسبب تركيبها الخاص "النبات والحيوان شيء واحد بسبب شيء واحد مشترك بينهما هو في أحدهما أتم وأكمل، وفي الآخر قد عاقه عائق ما". أما بالنسبة للإنسان، وكما أن له ما للنبات والحيوان من الحواس والآلات، فإن ما يتميز به من إدراك للروحانيات لابد أن يكون بوسيلة إضافية وهي النفس الناطقة "وهي أمر رباني إلهي لا يستحيل ولا يلحقه الفساد، ولا يوصف بشيء مما توصف به الأجسام، ولا يدرك بشيء من الحواس، ولا يُتخيل ولا يتوصل إلى معرفته بآلة سواه... فهو العارف والمعروف والمعرفة، وهو العالم والمعلوم والعلم. لا يتباين في شيء من ذلك، إذ التباين والانفصال من صفات الأجسام ولواحقها، ولا جسم هنالك ولا صفة جسم ولا لاحق بجسم".(8). وما يقصده ابن طفيل بالفساد هو ما تتعرض له المادة من تغير وتحول من صورة إلى صورة "إن الفساد والاضمحلال إنما هو من صفات الأجسام بأن تخلع صورة وتلبس أخرى مثل الماء إذا صار هواءً، والهواء إذا صار ماءً، والنبات إذا صار تراباً أو رماداً، والتراب إذا صار نباتاً؛ فهذا هو معنى الفساد.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٤٩٥