فانتقلت علاقته عن الجسد إلى صاحب الجسد ومحركه، لم يبق له شوق إلا إليه"، فقد لاحظ "بأن الروح الذي لجميع ذلك النوع شيء واحد"، واستنتج أن أجسام الحيوانات مؤلفة من مواد الطبيعة التي تشكل صورة الحيوانات، وهي أعراض لا بقاء لها، تتحلل بالموت، وتؤدي إلى تلاشي الصورة، ومن عنصر غير مادي هو الذي يبث الحياة في الصورة، ويجعل كل عنصر يقوم بعمله، وبه تسمع الأذن، وتبصر العين، وتعمل جميع الحواس والأعضاء. وهكذا انتقل بتأمله في حادثة الموت من المادة إلى التفكير في السر الكامن وراء المادة الذي يمد العناصر بالحياة "لقد تبين له أن كل شخص من أشخاص الحيوان، وإن كان كثيراً بأعضائه وتفنن حواسه وحركاته، فإنه واحدٌ بذلك الروح الذي مبدأه من قرار واحد، وانقسامه في سائر الأعضاء منبعث منه، وإن جميع الأعضاء إنما هي خادمة له"(حي بن يقظان ـ 80) لقد توصل ابن يقظان بتفكيره إلى ملاحظة ذلك السر الذي يعطي للصور المادية قدرتها وأفعالها. فقد تأكد له أن "الروح الحيواني واحد، وإذا عمل بآلة العين كان فعله إبصاراً، وإذا عمل بآلة الأنف كان فعله شمّاً. وإذا عمل بآلة اللسان كان فعله ذوقاً، وإذا عمل بالجلد واللحم كان فعله لمساً، ولا يتم لشيء من هذه فعل إلا بما يصل إليها من ذلك الروح الحيواني على الطرق التي تسمى عصباً. ومتى انقطعت تلك الطرق أو انسدت تعطل فعل ذلك العضو. وهذه الأعصاب إنما تَستمدُّ الروح من بطون الدماغ، والدماغ يستمد الروح من القلب، والدماغ فيه أرواح كثيرة لأنه موضع تتوزع فيه أقسام كثيرة، فأي عضو عدم هذا الروح بسبب من الأسباب تعطل فعله، وصار بمنزلة الآلة المطرّحة". (4). إن هذا الفاعل المؤثر في الأجسام لا يمكن أن يكون من نوع الأجسام. هذا العنصر "لابد له من معنى زائد على جسميته يصلح بذلك المعنى لأن يعمل هذه الأعمال الغريبة التي تختص به من ضروب الإحساسات وفنون الإدراكات وأصناف الحركات.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٩٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٤٩٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي