ومن المعروف أن ابن رشد ماكان ليعد بذلك، وإن لم يصلنا هذا الشرح، وهو شارح أرسطو، لولا المكانة الفكرية التي كانت لابن باجه. وهذه شهادة تدل على عظمة هذا الفيلسوف، كما يدل تحديده لهدف الإنسان لتحقيق كماله الذي يجب أن يتمثل بالسعي للاتصال بالعقل الفعال على إيمانه، وشهوده لأنوار من عالم الروح، وإلا ما كان بإمكانه أن يدعو الناس للبحث عن قضايا لا يعرفها ولا عِلم له بها،وإن سمع عنها.فالسماع لا يكفي، وخاصة لفيلسوف يبحث عن الحقائق بعقله قبل أن يبحث عنها بروحه. وقد شهد له من تمكنه في هذا العلم ابن أبي أصيبعة، فقال: "وأما العلم الإلهي ـ كما لاحظ صاحبه الوزير ابن الحسن علي بن عبد العزيز بن الإمام ـ فلم يوجد في تعاليقه شيء مخصوص به اختصاصاً تاماً، إلا نزعات تستقرأ من قوله في (رسالة الوداع) و(اتصال الإنسان بالعقل الفعال)، وإشارات مبددة في أثناء أقاويله، لكنها في غاية القوة والدلالة على براعته في ذلك العلم الشريف الذي هو غاية العلوم ومنتهاها وكل ما قبله من المعارف فهو من أجله وتوطئة له".(10). وإن الدكتور عبد الرحمن بدوي سيقترح "أن نطلق على فلسفته اسم: علم الإنسان، لأن ما تناوله فيها يدور معظمه حول موضوعات هذا العلم".(11). وابن باجه جدير بهذا اللقب، وهو أيضاً فيلسوف الحرية والإرادة. ولقد بدأ عالياً في غرب العالم الإسلامي رغم أن الأرض لم تكن ممهدة إلا بفلسفة الكندي والفارابي، فكان المؤسس لمدرسة الفلسفة في بلاد الأندلس، التي ستشكل صدمة ويقظة في الغرب على يد ابن رشد أكثر منها في الشرق.
ابن طفيل والمعرفة بالفطرة