بينما المدينة الفاضلة الإسلامية ستكون دائماً عالمية، بسبب إيمان من كتبوا عنها بالأخوة الإنسانية التي رضع كل مسلم إيمانه بها مع حليب أمه، وبدايات تلاوته لقرآنه، ودونما تذويب للآخر، أو فرض الإسلام عليه. وهذه المسائل بمثابة قوانين ثابتة في الشريعة لا يحق لأي مسلم المساس بها. ولهذا ظلت المدن الإسلامية الكبرى، والعواصم، مدناً تتسع لجميع الأديان والمذاهب والقوميات. وظلت الدول الفاضلة في مفهوم الفلاسفة المسلمين مثلها، تتسع لكل الشعوب. وإن كان الطموح لأن يكون فيها الحاكم دائماً هو نبي، أومن هو أقرب إلى النبوة.ومن هذا العرض الموجز يتبين لنا أن ابن باجه كانت له إطلالات على عالم الروح، ومن دلالات معرفته أنه جعلها المرحلة العليا من مراحل ترقي النفس في سلم المعرفة، واعتبر الواصل إلى هذه المعرفة هو السعيد حقاً، كما إنه الأفضل لقيادة المدن الفاضلة، كما بيّن في كتابه (رسالة الوَداع)، و(رسالة الاتصال) وما بقي من (في تدبير المتوحد) حيث حدد صفات الحكومة الكاملة التي ستقود شعبها إلى السعادة، بحيث لا يحتاج الناس إلى قضاة أو أطباء، والتي سيكون فيها الهدف الأسمى للمتوحد هو إدراك الصور الروحانية. ومما يدل على أهمية ما كتبه ابن باجه، يكفي أن نقرأ ما كتبه ابن رشد عن رسالة (تدبير المتوحد) في كتابه ـ العقل الهيولاني ـ لقد قال "أراد أبو بكر بن الصائغ أن يختط خطة لتدبير المتوحد في هذه الأمة، ولكنه لم ينجزها، وكثير منها غامض،وسنحاول في غير هذا المكان شرح غاية المؤلف من هذه الرسالة، لأنه أول من سار في هذا المضمار ولم يسبقه فيه أحد"(9).
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٨٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٤٨٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي