فاللذة الحقيقية هي التي تدوم، ولذلك فإن "مرتبة السعداء الذين يرون الشيء بنفسه" أي الحقائق. والأسوأ (المرتبة الجمهورية) كما يسميها "وهؤلاء إنما لهم المعقول مرتبطاً بالصور الهيولانية، ولا يعلمونه إلا بها وعنها ومنها ولها".(7). وهنا يذكرنا بالفارابي الذي شك في جدارة أصحاب العقول الهيولانية للبعث والحساب. ومن المعروف أن ابن باجه، استند في كثير من أبحاثه إلى الفارابي، إلا أنه لم يذكر ابن سينا لتأخر وصول كتبه إلى الأندلس، وسوف يتعرض ابن باجه لمسألة (المثل) عند أفلاطون، وسيؤيد تفسير الفارابي لمدلولها، مبيناً رده على أرسطو: "إن نقد أرسطو الوارد في كتاب (ما بعد الطبيعة) يصح لو كان المقصود من القول بالصور أنها تفعل فعل الكائنات التي هي صور لها بأن نقول إن صورة النار تفعل فعل النار فتحرق، إذ لوكان الأمر كذلك للزمت المحالات التي ذكرها أرسطو. وإنما المقصود بالصور أنها معانٍ مجردة من المادة، ولا تفعل فعل الأشياء التي هي في مادة، والصور بهذا المعنى حقيقية، ـ واحدة، باقية، غير بالية ولا فاسدة"، (8). ربما أصبحت المثل الأفلاطونية بمعنى ما أقرب إلى مفهوم الأسماء الإلهية، مما ساعد الفلاسفة المسلمين على فهمها وتبنى رأي أفلاطون القائل بها، في الوقت الذي رفض تلميذه أرسطو الأقرب إليه مثل هذا التجريد. وهذا ما يشعرنا بعمق الإسلام، ودوره في تقريب المفاهيم العقلانية والفلسفية في الأذهان، مما جعل كل الفلاسفة المسلمين متبنين لمشروعه الروحي على خلاف مذاهبهم وأساليبهم، وظلت المدينة الفاضلة، وهي مدينة إسلامية منفتحة على العالم والإنسانيةهدفاً لهم يكتبون عنه، وإن كانت بالأصل مدينة أفلاطونية من حيث الاسم، ولم يوافق الفلاسفة المسلمون على كثير مما ورد فيها، وإن أفلاطون نفسه سيعيد النظر فيها، ولكنها ستظل يونانية، أي قومية.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٨٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٤٨٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي