تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما بدأت الفلسفة في الشرق العربي الإسلامي على يد الكندي ضعيفة القوام والبنيان، وكانت أساساً لمن سيأتي وينهض بها، حيث ستكتمل ملامحها على يد الفارابي وابن سينا. فكذلك سيحدث نفس الأمر في غرب بلاد الإسلام، إذ سيحمل لواء التأسيس للفلسفة وتوطينها في الأندلس والمغرب، أبو بكر محمد بن يحيى بن الصايغ، المعروف بابن باجه، المولود في سرقطة قبل نهاية القرن الخامس الهجري والمتوفى عام (533 هـ/1138م) في فاس. وكان إضافة للفلسفة، عالماً في الطبيعة والفلك والرياضيات والطب والموسيقى، إلا أن أكثر مؤلفاته ضاعت، وما بقي منها وصلنا مترجماً عن اللاتينية والعبرية، رغم أن ما ألفه من الكتب تجاوز المئة كتاب ورسالة. ولكن فيما يبدو فإن ظروف عدم الاستقرار في الأندلس والحروب ساهمت ليس في ضياع كتبه فقط، بل حالت دون إكمالها. إذ اضطر ابن باجه للرحيل عن سرقسطة قبل احتلالها عام (511 هـ/1118م) من قبل الفونس. فتنقل بين باجه والمرية وغرناطة وقاين، ثم استقر في إشبيلية وعمل فيها بالتدريس بعض الوقت، ثم رحل إلى فاس وقضى فيها بقية حياته. وقد قال ابن طفيل عنه: "لم يكن فيهم أثقب ذهناً، ولا أصح نظراً، ولا أصدق روية من أبي بكر بن الصائغ؛ غير أنه شغلته الدنيا حتى اخترمته المنية قبل ظهور خزائن علمه وبث خفايا حكمته. وأكثر ما يوجد له من التآليف إنما هي غير كاملة ومخرومه من أواخرها، ككتابه (في النفس) و(تدبير المتوحّد)، وما كَتبه في المنطق وعلم الطبيعة. وأما كُتبه الكاملة فهي كتب وجيزة ورسائل مختلسة... وإن ترتيب عبارته في بعض المواضع على غير الطريق الأكمل، ولو اتّسع له الوقت مالَ لتبديلها. فهذا حال ما وصل إلينا من علم هذا الرجل ونحن لم نلق شخصه".(1) إذاً ما وصلنا لا يعبر عن فلسفة ابن باجه تعبيراً حقيقياً، ولكنه يعطينا فكرة عن طبيعة هذا الرجل (الثاقب الذهن). فما هو رأيه في قضايا النفس والعقل والروح؟..

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٤٨٢