ونحن إذا حصلنا الملكة ولم يكن عائق كان لنا أن نتصل به متى شئنا، فإن العقل الفعال ليس مما يغيب ويحضر، بل هو حاضر بنفسه، وإنما نغيب نحن عنه بالإقبال على الأمور الأخرى، فمتى شئنا حضرناه"(22) فهل سيظل الشرق مصدراً للروحانيات التي لا يدركها إلا القلائل في الغرب، بكلام ابن سينا عن المشرقيين، الذين صدّروا للغرب فلسفات الروح إضافة لمسيحيته، التي لم يبق منها، كما قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وهو يحذر المسلمين من أكل ذبائح نصارى بني تغلب، غير شرب الخمر. فقال: "لا تأكلوا ذبائح نصارى بني تغلب، فإنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر".(كنز العمال ـ 32346/ج6) وفي الختام إذا كانت فلسفة ابن سينا تهدف إلى الكمال الإنساني الذي لا يمكن أن يتحقق إلا باتصال الإنسان بالعقل الفعال فإلى أي حد نجح في تحقيق هدفه، سواء بالدلالة عليه، أو توظيف معرفته لهذه الغاية؟.. إذا أخذنا ما كتبه ابن سينا حتى في قصصه (سلامان وأبسال)، و(رسالة الطير)، و(رسالة حي بن يقظان) التي سيعيد كتابتها ابن طفيل بشكل آخر، فإننا سنشعر بأن ابن سينا قد نجح في أداء رسالته، ولكن بشكل عالٍ، وبروح لا تعرف غير التحليق، ولهذا لم يكن فكره في متناول الجميع، وظل زاداً للخواص، بل لخواص الخواص، كما أن انغماسه في الحياة العامة والعلاقات السياسية، حجبه عن النور الفائض والدائم من الحق، وقد أدرك أسباب الحجاب، وإن كان قلبه عند الحق كما نعتقد به. لأن من ذاق الأنوار لا يستطيع أن يطيق ظلمة الحجاب، وإن لم يحقق من هذا النظر شيئاً، لأن الحق لا يعبد لغاية، كما لا يُحبُ الجمال لفائدته ونفعه، وإن كان بحد ذاته نافعاً ومنعشاً للروح. ومن ينظر إلى ما وراء كلمات ابن سينا سيدرك بأن هذه الكلمات وليس النفوس الإنسانية فقط قد
هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاءُ ذات تعزّز وتمنُّع
محجوبة عن كلِّ مقلة ناظر ... وهي التي سفرت ولم تتبرقع