تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يجب أن نتذكر بأن ابن سينا قد تعلم في الرؤيا بعض ما استعصى عليه فهمه من المسائل كما قال منذ حداثته. وهذا يدل بأنه حقق الاتصال بالروح منذ بداياته، فلا غرابة بأن تتطور المشاهدات إلى اليقظة، وإن وجهت الاتهامات إليه بسبب عدم زهده. وربما لهذا السبب وضع حدوداً للتمييز بين الزاهد والعابد والعارف "فالزاهد: هو المعرض عن متاع الدنيا وطيباتها. والعابد: هو المواظب على فعل العبادات. والعارف: فهو المنصرف بفكره إلى قدس الجبروت، مستديماً لنور الحق في سره. والعارف (يريد الحق الأول لا لشيء غيره، ولا يؤثر شيئاً على عرفانه. وتعبده له فقط، ولأنه مستحق للعبادة، ولأنها نسبة شريفة إليه ـ لا لرغبة أو رهبة، وإن كانتا، فيكون المرغوب فيه أو المرهوب منه هو الداعي، وفيه المطلوب، ويكون الحق ليس الغاية، بل الواسطة إلى شيء غيره هو الغاية، وهو المطلوب دونه). (21) إن ابن سينا لن يؤكد إمكانية الاتصال مع العقل الفعال آناً وآن، بل إنه سيؤكد على إمكانية هذا الاتصال بشكل دائم إذاً وفّر الإنسان الشروط المناسبة لذلك، مما يعني أن الاتصال في حقيقته هو بيد العبد، بالرحمة الدائمة من الرب، مصداقاً للحديث الشريف ـ من جاءني ماشياً أتيته هرولة ـ ولهذا كتب ابن سينا في تعليقه على كتاب النفس لأرسطو "والذي عليه المشرقيون أن الاستكمال التام بالعلم إنما يكون بالاتصال بالفعل بالعقل الفعال.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٤٧٩