تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذا هو الكمال الذي يصير به الجوهر العقلي بالفعل، وما سلف فهو الكمال الحيواني". (17)، هل قصد ابن سينا الاتحاد أو الحلول فيما يقول عن التمثل الذي لا يمايز الذات؟... سينفي ابن سينا إمكانية الحلول والاتحاد كما نفاها ابن عربي لاحقاً، والسبب "قول القائل إن شيئاً ما يصير شيئاً آخر، لا على سبيل الاستحالة من حال إلى حال، ولا على سبيل التركيب مع شيء آخر ليحدث شيء ثالث، بل على أنه شيئاً واحداً فصار واحداً آخر، قول شعري غير معقول؛ فإنه إن كان كل واحد من الأمرين موجوداً فهما اثنان متميزان، وإن كان أحدهما غير موجود، فقد بطل الذي كان موجوداً".(18) وإذا كان كل كمال لا يحقق الاتصال بين ما صار عقلاً بالملكة، والعقل الفعال، لا يصير عقلاً بالفعل، ويظل قبل هذا الاتصال أقرب إلى الكمال الحيواني منه إلى الكمال الإنساني، فهل نجح ابن سينا في تحقيق مثل هذا الاتصال الذي يمثل ليس نقلة معرفية فقط، وإنما نقلة نوعية، وخروجاً من عالم المادة إلى عالم الروح، من عالم العقل المرتبط بحقائق الأكوان ومظاهرها، إلى رب الأكوان؟... سيجيب ابن سينا قائلاً: "إني لو اقتصصت جزئيات هذا الباب، فيما شاهدناه، وفيما حكاه من صدّقناه، لطال الكلام". (19) بأي وسيلة حدثت المشاهدات لابن سينا، سيشير إلى الرؤيا في النوم، أو في اليقظة، بعد الرياضات والعبادات، وتطهير النفس، وتوجيهها نحو الحق. والسبب "أن معاني جميع الأمور الكائنة في العالم مما سلف ومما حضر ومما يريد أن يكون موجودة في علم الباري والملائكة العقلية من جهة، وموجودة في أنفس الملائكة السماوية من جهة... وإن الأنفس البشرية أشد مناسبة لتلك الجواهر الملكية منها للأجسام المحسوسة، وليس هناك احتجاب ولا بخل، إنما الحجاب للقوابل إما لانغمارها في الأجسام، وإما لتدنسها بالأمور الجاذبة على الجنبة السافلة، وإذا وقع لها أدنى فراغ من هذه الأفعال حصل لها مطالعة لما تم"(20).

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٤٧٨