هذا التأكيد على طبيعة النبوة كإمكانية، يستطيع البشر أن ينجحوا في الوصول إليها، تدل على المستوى المعرفي والروحي الذي وصل إليه الفارابي. وإن ما قاله عن فناء (النفوس الهيولانية) يجب أن يكون قد قاله في مرحلة معرفية أدنى، أو إنه قصد أن هذه النفوس ستعاني من ارتباطها المعنوي بالمادة في العالم الآخر حتى تتخلص منها قبل الوصول إلى السعادة، إذ إن الإيمان بالثواب والعقاب في العالم الآخر، يقود إلى هذا الاستنتاج الذي يتطلب بقاء النفس الإنسانية مهما كانت شريرة كي تحاكم. ومما يدل على إيمان الفارابي بالحساب دفاعه عن أفلاطون وأرسطو ضد من اتهموهم بعدم الإيمان بوجود حساب وثواب وعقاب بعد الموت. وقد بين د.بدوي كيف دافع عنهم فقال: "يقول الفارابي إن البعض يزعم أنه لا أفلاطون ولا أرسطو يعتقدان في وجود عالم آخر، ولا في الثواب والعقاب في عالم آخر. لكن الفارابي يرى أن هذا الزعم غير صحيح"(9)، وقام بتقديم مالديه من الأدلة لإثبات إيمانهم. فهل يمكن للفارابي أن يدافع، وأن يفتش عن أدلة للدفاع عن اعتقاد آخرين فيما لا يؤمن به؟... أليس الأقرب إلى المنطق أن يفتش عن أدلة عدم الإيمان لديهم لو كان لا يؤمن بالحساب ليتستر الفارابي وراءهم، على فرض أن الظروف التاريخية لا تسمح له شخصياً بالتشكيك بالحساب. ولكننا عندما نجمع بين زهده وإيمانه بالرؤيا الصادقة والوحي والإلهام، إلى جانب دفاعه عن أفلاطون وأرسطو في الحساب، سنعرف بأن الفارابي لم يكن مؤمناً فقط، بل كان على درجة عالية من الإيمان مما أتاح له أن ينال قبسات من عالم الروح، وإلا ماكان بإمكانه أن يصف لنا طريقة شهود الحقائق بالروح، وصف الخبير والمعاين له.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٦٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٤٦٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي