تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسيقول: "لا يجوز وجود النفس قبل البدن كما يقول أفلاطون، ولا يجوز انتقال النفس من جسد إلى جسد كما يقول التناسخيون، وللنفس بعد البدن سعادات وشقاوات"، وسيؤكد "إنها مفارقة باقية بعد الموت، فليس فيها قوة قبول الفساد"(2). ولكن الفارابي سيقع فيما يناقض مذهبه إذا كان قد قال بأن النفوس المنحطة ستتعرض للفناء وهم "أهل المدن في الجاهلية... كذلك مرضى النفوس.... فهؤلاء تبقى أنفسهم هيولانية مستكملة استكمالاً لا تفارق به المادة حتى إذا بطلت المادة بطلت أيضاً"(3). فهل شك الفارابي في إمكانية خلود النفوس التي لا ترتقي إلى مستوى التجرد عن الماديات في الحياة الدنيا؟ (فالعقل الهيولاني) نسبة إلى (المادة) هو جزء من النفس، وعليه أن يبلغ درجة (العقل المستفاد) بتحصيله: "المعقولات كلها معقولة بالفعل أو جلها"، بحيث: "لا يكون بينه وبين العقل الفعال شيء آخر" (4)، حتى يستحق الخلود، ويسمي (العقل الفعال) (الروح الأمين)، و(روح القدس). وهو (لم يكن في مادة ولا يكون أصلاً). وهذا (العقل الفعال) الذي قال به أرسطو ليعلل عملية انتقال العقل من القوة إلى الفعل هو عند الفارابي "آخر العقول السماوية المفارقة"، والذي باتصال "العقل الإنساني المستفاد"، به يبلغ الإنسان درجة الكمال والتجرد عن المواد، ويصبح قادراً على شهود الصور المعرفية التي لا تدرك بالعقل الهيولاني أو (العقل بالفعل). إن "فعل هذا العقل المفارق +أي العقل الفعال +في العقل الهيولاني شبيه بفعل الشمس في البصر. فلذلك سمي العقل الفعال... وإذا حصل في القوة الناطقة عن العقل الفعال ذلك الشيء الذي منزلته منه منزلة الضوء من البصر، حصلت المحسوسات حينئذٍ عن التي هي محفوظة في القوة المتخيلة معقولات في القوة الناطقة، وتلك هي المعقولات الأولى التي هي مشتركة لجميع الناس"(5).

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٤٦٣