سيوافق الكندي أرسطو بأن النفس: "استكمال أول لجسم طبيعي ذي حياة بالقوة"، أو إنها "تمامية جرم طبيعي ذي آلة قابل للحياة"، كما جاء في رسائله، كما سيقول متأثراً بالفيثاغورية "هي جوهر عقل متحرك من ذاته بعدد مؤلَّف"، ولكنه سيؤكد أن النفس "جوهر بسيط إلهي روحاني"، لا طول له ولا عمق ولا عرض"، ونور "من نور الباري"(6)، وفي رأيه أن "النفس لا تنام أبداً لكنها لا تستعمل الحواس إبّان النوم، ولو كانت النفس تنام، لما عرف الإنسان ما يراه في الحلم، ولا غيره مما يراه في اليقظة، وإذا بلغت النفس تمام الصفاء، شاهدت في النوم أحلاماً رائعة، وأورت مع النفوس التي تركت أبدانها، ووهبها الله نوره ورحمته؛ هنالك تستشعر لذة دائمة تفوق كل لذائذ الطعام والشراب والفسق، والسمع والبصر واللمس. ونحن في هذه الدنيا كما لو كنا على معبر يمر عليه المسافرون. ولن نبقى فيها طويلاً. إن مقامنا الحق هو في العالم العلوي الشريف الذي ستنتقل إليه النفوس بعد الموت، حيث تكون بقرب الخالق، ونوره، وهنالك تنعم بنور رحمته"، (7) ولكن هذا المقام لن تحظى به كل النفوس حسب رأيه، إذ سيكون فقط للنفوس الطاهرة، بينما ستتدرج النفوس الأقل طهارة، بما يتناسب مع سلوكها بالصعود عبر الأفلاك بادئة من فلك القمر: "فإذا ما تطهرت وتهذبت، ترقت إلى فلك عطارد حيث تمضي فترة من الزمن، فإذا ما تطهرت ترقت إلى الفلك الأعلى، وصارت نقية من كل أدناس الحواس، وهنالك تصعد إلى عالم العقل، وتتجاوز الفلك الأقصى (السماء الأولى) وتقيم في أشرف محل. وهنالك تعرف كل الأشياء، صغيرها وكبيرها؛ ويكل الله إليها جزءاً من تدبير العالم"(8). طبعاً هذه الأفكار ليس لها أي أصل في الإسلام، ماعدا ما أخبر به الإسلام من مبدأ الثواب والعقاب بعد الموت. فمن أين جاء الكندي بهذه الأفكار والتفاصيل، التي تؤيد مبدأ الثواب والعقاب.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٥٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٤٥٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي