تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(3) فالحقيقة عالمية والفضائل إنسانية، كما هو الإسلام في جوهره، دعوة لمكارم الأخلاق، ولهذا فهم الكندي أن الإسلام، لا تناقض بينه وبين الفلسفة، كما أنه لا تناقض بين البشر الذين يتفقون على قيم روحية وأخلاقية واحدة. وإذا كان الدين قد قام بمهمة التبليغ، فإن الفلسفة ستقوم بمهمة الشرح والتوضيح. لهذا "ينبغي لنا أن لا نستحي من الحق واقتناء الحق من أين أتى، وإن أتى من الأجناس القاصية عنا والأمم المباينة لنا، فإنه لا شيء أولى بطالب الحق من الحق، وليس ينبغي بَخْس الحق، ولا تصغير بقائله ولا بالآتي به، ولا أحد بُخِس بالحق، بل كلّ يشرفه الحق"،(4) وفي رسالته إلى المعتصم عن الفلسفة قال: "في علم الأشياء بحقائقها علم الربوبية، وعلم الوحدانية، وعلم الفضيلة، وجملة علم كلّ نافع والسبيل إليه، والبعد عن كل ضار والاحتراس منه، واقتناء هذه جميعاً هو الذي أتت به الرسل الصادقة عن الله جلّ ثناؤه؛ فإن الرسل الصادقة صلوات الله عليها إنما أتت بالإقرار بربوبية الله وحده، وبلزوم الفضائل المرتضاة عنده، وترك الرذائل المضادة للفضائل في ذواتها وإيثارها"(5) إن هذه الرسائل بقدر ماتدل على سعة أفق الكندي، وعالميته، إذا أردنا أن ننسب الفضيلة إلى القلوب التي تحملها، وليس إلى الأوطان التي نبتت فيها، فإنها تدلّ أيضاً على صعوبة الطريق الذي كان الكندي يمهده للفلسفة بالدفاع عنها أمام الخلفاء، وتبرئتها مما كان ينسبه إليها المعارضون، كما يدل على سعة أفق خلفاء ذلك الزمان، الذين جعلوا بغداد عاصمة للعالم، ومركزاً للحوار بين الثقافات والحضارات، مما سيمهد لتعريب أرسطو، ونقله إلى الغرب عربياً، بلسان ابن رشد. وهذا يعود في جوهره إلى عالمية الإسلام، الذي لم يرغب في إقامة إمبراطورية دنيوية إلا من أجل هدف أسمى، هو نشر رايات الإسلام والسلام بين الشعوب.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٤٥٦