وإذا أردنا الإنصاف والمقارنة، فإننا سنجد بأن بعض الناس ضلوا وأضلوا غيرهم بتأويلهم لما جاء في الكتب السماوية وتحريفهم للآيات عن معناها الصحيح، وهذا ليس ذنب الدين، كما إن انحراف بعض الفلاسفة ليس ذنب الفلسفة، فهل يصح أن نمنع كل ما وقع عليه التحريف، أم نمنع التحريف والمحرفين؟... ولهذا نشعر بأن المبالغة في محاربة الفلسفة دون تحديد لا مبرر له، كما نشعر بأنها علم ضروري لبناء العقول على أسس سليمة، وموازين صحيحة، سواء أدرجت في طيات (علم الكلام)، أو بقيت مستقلة عنه، لأن الإسلام بحاجة إلى الفلسفة خاصة في زمننا لكي تدافع عنه، وتنقل مفاهيمه ومشروعه الإنساني الكبير إلى العالم. وإن ديناً عميقاً وأصيلاً وعملاقاً كالإسلام لا يمكن أن تؤثر عليه بعض الآراء والفلسفات وإن خالفته وناقضته، فالإسلام قوي بالمعرفة، وكما انتصر بها، وكانت رسالته قد بدأت بـ(إقرأ) فكذلك سينتصر بها، ولن ينتصر بغيرها. وإننا عندما نتأمل ونتابع مسيرة الفلسفة العربية الإسلامية سنعرف مقدار الخدمات التي قدمتها للإسلام، بعكس ما ظنه بعض المعارضين والمعادين لتعريبها، إذ فتحت آفاقاً لم يكن يعرفها الفقهاء، وقادت العقول إلى السير وفق منطق محدد وقوانين بشرية تقبلها كل العقول، مما ساعد على تفسير الشريعة الإسلامية وفقاً لمنهج مقبول، فأعطى للإسلام قوة كان يحتاج إليها في عصر شاعت فيه الفلسفة، وكان لابد من استيعابها والاستفادة من مناهجها بدلاً من رفضها. وهذا ما سعى إليه الكندي حيث قال: "ولعمري إن قول الصادق محمد - صلى الله عليه وسلم - ما أدى عن الله جلَّ وعزَّ، لموجود جميعاً بالمقاييس العقلية التي لا يدفعها إلاَّ من حُرم صورة العقل واتحد بصورة الجهل من جميع الناس".
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٥٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٤٥٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي