"إن الجوارح ارتبطت بالنفس الناطقة ارتباط الملك بمالكه، كما هو الأصل عليه، والأصل هو الحق. ولم يزل في أزله مدبراً، فلابد أن يكون تدبيره في مدبر معين له أزلاً، وليس إلا أعيان الممكنات، فهي مشهودة له في حال عدمها، ثابتة، فيدبر فيها ما يكون... فكذلك لما أراد الله إنشاء الأرواح المدبرة فهي لا تكون إلا مدبرة. فإنْ لم يكن لها أعيان وصور يظهر تدبيرها فيها بطلت حقيقتها، إذ هي لذاتها مدبرة. هكذا هو الأمر عند أهل الكشف. وهنا سر عجيب غريب... فالأرواح المدبرة إنما ظهرت بصور مزاج القوابل، فلا تتعدى الأرواح في التدبير ما تقتضيه الهياكل المدبَرة. فانظر إلى أعيان الممكنات قبل ظهورها في عينها، لا يمكن أن يظهر الحق فيها إلا بصورة ما تقبله. فما هي على صورة الحق في الحقيقة، وإنما المدبِّر على صورة المدبَّر، إذ لا يظهر فيه منه إلا على قدر قبوله لا غير. فليس الحق إلا ماهو عليه الخلق. لا يرى من الحق ولا يعلم غير هذا، وهو في نفسه على علم، وله في نفسه ما لا يصحّ أن يُعلم أصلاً. وذلك الأمر الذي لا يعلم أصلاً، هو الذي له بنفسه، المشار إليه بقوله: ﴿ والله غني عن العالمين ﴾ . وهذا الذي نبهناك عليه من العلم بالله تعالى ما أظهرناه باختيارنا، ولكن حكم الجبرية علينا، فتحفظ به ولا تغفل عنه، فإنه يعلمك الأدب مع الله تعالى. ومن هذا المقام نزل قوله تعالى: ﴿ وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ . أي ما أعطيتك إلا على قدر قبولك. فالفيض الإلهي واسع، لأنه العطاء، فما عنده تقصير، ومالك منه إلاَّ ما تقبله فيك هو ربك الذي تعبده، ولا تعرف إلا هو. وهذه هي العلامة التي يتحول لك فيها يوم القيامة على الكشف، وهو في الدنيا في العموم على الغيب، يعلمها كل إنسان من نفسه، ولا يعلم أنها المعلومة له. ولهذا تقول العامة إن الله ما عودني إلا كذا وكذا. فإذا فهمت هذا علمت أن الحق معك على ما أنت عليه، ما أنت معه.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٤٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٤٤٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي