﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ وبشرة الشيء ظاهره. والبشرى إظهار علامة حصولها في البشرة. فقوله للشيء: (كن) بالحرفين الكاف والنون، بمنزلة اليدين في خلق آدم. فأقام القول للشيء مقام المباشرة، وأقام الكاف والنون مقام اليدين، وأقام الواو المحذوفة لاجتماع الساكنين مقام الجامع بين اليدين في خلق آدم، وأخفى ذكره كما خفيت الواو من كن... فالإنسان أتم المظاهر، فاستحق اسم البشر دون غيره من الأعيان. وأما قوله تعالى: ﴿ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليّ حكيم ﴾ فسمى المكلم هنا بشراً بهذه الضروب كلها من الكلام، لما يباشره من الأمور الشاغلة له عن اللحوق برتبة الروح التي له من حيث روحانيته، فإن ارتقى عن درجة البشرية، كلمه الله من حيث ما كلم الأرواح، إذ كانت الأرواح أٌقوى في التشبه لكونها لا تقبل التحيز والانقسام، وتتجلى في الصور من غير أن يكون لها باطن وظاهر، فما لها سوى نسبة واحدة من ذاتها وهي عين ذاتها. والبشر من نشأته ليس كذلك فإنه على صورة العالم كله، ففيه ما يقتضى المباشرة والتحيز والانقسام وهو مسمى البشر، وفيه ما لا يطلب ذلك وهو روحه المنفوخ فيه وعلى بشريته توجهت اليدان فظهرت الشفعية في اليدين في نشأته، فلا يسمع كلام الحق من كونه بشراً إلا بهذه الضروب التي ذكرها أو بأحدها. فإذا زال في نظره عن بشريته وتحقق بمشاهدة روحه، كلمه الله بما يكلم به الأرواح المجرّدة عن المواد. مثل قوله تعالى في حق محمد - صلى الله عليه وسلم - وفي حق الأعرابي ﴿ فأجره حتى يسمع كلام الله ﴾ وما تلاه عليه غير لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - . فأقام محمد - صلى الله عليه وسلم - في هذه الصورة مقام الروح الأمين الذي نزل بكلام الله على قلب محمد. وهو قوله: ﴿ أو يرسل رسولاً ﴾ يعني لذلك البشر "فيوحي إليه بإذنه" ما يشاء الله تعالى مما أمر أن يوحي به إليه.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٤٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٤٤٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي