تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فنقول: إن بدء الروح في نفوس أهله الذين أهَّلهم الله لتحصيله، أن نفس الرحمن إذا تحكمت في نفوسهم المجاهدات التي تعطيهم رؤية الأغيار عريةً عن رؤية الله فيها، وإنها حائلة وقاطعة بين الله وبين هذا العبد، فيكون صاحب هذه المجاهدة صاحب قَبض وهمٍّ وغمٍّ وحجبٍ يريد رفعها، فيهب عليه من نفس الرحمن في باطنه ما يؤديه إلى رؤية وجه الحق في هذه القواطع على زعمه، وفي هذه الحجب والأشياء التي يجاهد نفسه في قطع ما يتعرض له منها في طريقه، فيريه ذلك النفس وجه الحق في كل شيءٍ، وهو العين والحافظ عليه وجودها، فلم ير (صاحب المجاهدة) شيئاً خارجاً عن الحق! فزال تعبه من حيث ما يريد قطعها. ويتألم عند ذلك ألماً شديداً حيث يتوهم عدم تلك المعرفة، ثم يعقب ذلك سرور عظيم لوجود هذا النفس، فيحيا به معناه (= قلبه) ويصير به روحاً، وهو قوله (ـ تعالى ـ): ﴿ أوحينا إليك روحاً من أمرنا ﴾ = ما هو تحت كسبك، ولا تعلقَ لك خاطرٌ بتحصيله، ـ (ما كنت تدري ما الكتابُ ولا الإيمانُ ولكن جعلناهُ نوراً نهدي به من نشاءُ من عبادنا) = فهذا العارف ممن شاءَ (الحقُّ) من عباده! فيقال فيه عند ذلك: إنه ذو روح، ويقال فيه: إنه حيٌّ وقد التحق بالأحياء، وهو قوله ( ـ تعالى ـ ): ﴿ أو مَن كان ميتاً فأحييناهُ وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس ومن لم يجعلِ اللهُ له نوراً ﴾ = وهو هذا (الروح) ـ ﴿ فما له من نور ﴾ = فكان (هذا النور). بجعل الله، لم يضفه إلى الاكتساب فإنه مجهول العين لعدم الذوق. فهذا معنى (بدءِ الروح) الذي يجده العارفون في (الطريق) وهو مقصود السائلين. وهو نور من حضرة الربوبية لا من غيرها، وأصله من (الروح الذي هو من أمر ربي) = أي من (الروح) الذي لم يوجد عن خَلق، فإنّ (عالم الأمر) (هو) كل موجود لا يكون عند سبب كونيٍّ يتقدمه، ولكلٍّ موجودٍ منه شربٌ، وهو (الوجه الخاصٌّ) الذي لكل موجودٍ عن سبب وعن غير سببٍ..

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٤٤١