"ليس لأهل الجنان عقل يعرف، إنما هوى وشهوة. يتصرف العقل في أهل النار مَقيله، وبه يكثر حزن الساكن بها وعويله، لما ساء سبيله. العقل من صفات الخلق، ولهذا لم يتصف به الحق. ولولا ما حصر الشارع في الدنيا تصرف الشهوة ما كان للعقل جلوه. فما عرف حقيقة العقل غير سهل، فعيّن ما له من الأهل. قيد المكلّف بالتكليف عن التصريف، فإذا ارتفع التحجير بقي البشير، وزال النذير، وتأخر العقل لتأخر النقل. إذا محق الهلال فاتت الظلال، وفي محاقه عين كماله في حضرة إقباله، كما كان له في إبداره لإدباره. فالأمر بين الحق والخلق مناصفة. والوثيقة التي بيننا وبينه وثيقة مواصفة. فماله فليس لنا، وما ليس له فهو لنا" (الفتوحات المكية ـ 382/ج4).
في معرفة الروح الذي أخذت من تفاصيل نشأته ما سطرته في هذا الكتاب:
"فقلت له: أطلعني على بعض أسرارك، حتى أكون من جملة أحبارك". ـ قال: فإني لا أكون مكلّماً ولا كليما. فليس علمي بسوائي. وليست ذاتي مغايرة لأسمائي. فأنا العلم والمعلوم، والعليم، وأنا الحكمة والمحكم والحكيم ـ" (الفتوحات ـ 219/ج1).
***
"ولولا ما أودَع (الحق) فيّ ما اقتضته حقيقتي، ووصلت إليه طريقتي، لم أجد لمشربه نيلاً، ولا إلى معرفته ميلاً. ولذلك أعود عليَّ عند النهاية. ولهذا يرجع فَخِذُ البِركار، في فتح الدائرة، عند الوصول إلى غاية وجودها، إلى نقطة البداية. فارتبطَ آخر الأمر بأَوله. وانعطف أبده على أزله. فليس إلا وجود مستمر، وشهود ثابت مستقر... وإنما طال الطريق، من أجل رؤية المخلوق... فلو عرفوا، من مكانهم ما انتقلوا. لكن حُجبوا بشفعية الحقائق، عن وترية الحق الخالق، الذي خلق الله به الأرض والطرائق. فنظروا مدارج الأسماء، وطلبوا معارج الإسراء. وتخيلوها أعظم منزلة تطلب، وأسنى حالة يقصد الحق ـ تعالى ـ فيها ويرغب. فسير بهم على براق الصدق ورَفارفه، وحققهم، بما عاينوه، من آياته ولطائفه" (الفتوحات ـ 220/ج1).
***