والطبيعة هي أحق نسبة بالحق مما سواها، فإن كل ما سواها ما ظهر إلا فيما ظهر منها. وهو النفَس، بفتح الفاء، وهو الساري في العالم، أعني في صور العالم. وبهذا الحكم يكون تجلي الحق في الصور التي ذكرها عن نفسه لمن عقل عنه، ما أخبر به عن نفسه تعالى. فانظر في عموم حكم الطبيعة، وانظر في قصور حكم العقل، لأنه في الحقيقة صورة من صور الطبيعة، بل من صور العَماء. والعماء هو من صور الطبيعة. وإنما جعل من جعل رتبة الطبيعة دون النفس، وفوق الهيولى، لعدم شهوده الأشياء، وإن كان صاحب شهود، ومشى هذه المقالة، فإنه يعني بها الطبيعة التي ظهرت بحكمها في الأجسام الشفافة من العرش فما حواه. فهي بالنسبة إلى الطبيعة نسبة البنت إلى المرأة التي هي الأم، فتلد كما تلد أمها وإن كانت البنت مولودة عنها... إن الله ما جعل معرفة الإنسان نفسه إلا ضرب مثال لمعرفة ربه. إذ لو لم يعرف نفسه لم يعرف ربه. وهذا صورة العماء الذي هو الجسم الحقيقي العام الطبيعي الذي هو صورة من قوة الطبيعة تجلى لما يظهر فيه من الصور. وما فوقه رتبة إلا رتبة الربوبية التي طلبت صور العماء من الاسم الرحمن فتنفًَّس. فكان العماء. فشبهه لنا الشرع بما ذكر عنه من هذا الاسم. فلما فهمنا صورته بالتقريب، قال ـ في الحديث النبوي (ما فوقه هواء) يعلو عليه. فما فوقه إلا حق. (وما تحته هواء)، يعتمد عليه، أي ما تحته شيء. ثم ظهرت فيه الأشياء. فالعماء أصل الأشياء، والصور كلّها. وهو أول فرع ظهر من أصل. فهو نجم لا شجر، ثم تفرعت منه أشجار إلى منتهى الأمر والخلق وهو الأرض. وذلك تقدير العزيز العليم" (الفتوحات المكية ـ
420/ج3).
عن العقل: