تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

"ما خلق الله العالم الخارج عن الإنسان إلا ضرب مثال للإنسان، ليعلم أن كل ما ظهر في العالم هو فيه، والإنسان هو العين المقصودة. فهو مجموع الحكم، ومن أجله خلقت الجنة والنار والدنيا والآخرة، والأحوال كلها والكيفيات. وفيه ظهر مجموع الأسماء الإلهية وآثارها... وعليه مدار العالم كله، ومن أجله كانت القيامة، وبه أُخذَ الجان، وله سُخّر ما في السموات وما في الأرض. ففي حاجته يتحرك العالم كله علواً وسفلاً، دنيا و آخرة... وما خَص أحداً من خلق الله بالخلافة إلا هذا النوع الإنساني... والأحكام في الحق صور العالم كله، ما ظهر منه، وما يظهر، والأحكام منه. ولهذا قال (له الحكم) ثم يرجع الكل إلى أنه عينه. فهو الحاكم بكل حكم في كلّ شيء حكماً ذاتياً. لا يكون إلا هكذا. فسمى نفسه بأسمائه، فحكم عليه بها. وسمى ما ظهر به من الأحكام الإلهية في أعيان الأشياء ليميز بعضها عن بعض، كما ميز جسم الإنسان عن روحه، وليس إنساناً إلا بمجموعه. كما تسمى خالقاً به وبخلقه. فلا يقال في روح الإنسان أنها عين الإنسان ولا غيره. وكذلك في حقائقه ولوازمه وعوارضه. لا يقال في يد الإنسان، ولا في شيء من أعضائه، إنه عين الإنسان، ولا غير الإنسان. كذلك أعيان العالم لا يقال إنها عين الحق ولا غير الحق. بل الوجود كله حق... فصورة العالم بجملته صورة دائرة فلكية، ثم اختلفت فيها صور الأشكال من تربيع وتثليث وتسديس إلى ما لا يتناهى حكماً، لا وجوداً. والملائكة الحافون من حول العرش، ما لهم سباحة إلا في هذا العماء المستدير الذي ظهر فيه أيضاً عين العرش على التربيع بقوائمه وحملته، من صور المعاني، وصور أجسامها التي هي الحروف الدالة عليها. فإن المعنى لا يستدل عليه إلا من حكم صورته، وهو الحرف. والحرف لا يعلم إلا من حيث معناه، فهو العالم، العلم، المعلوم. فما في الوجود إلا الواحد الكثير، وفيه ظهرت الملائكة المهيمة والعقل والنفس والطبيعة.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٤٣٥