تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

"الجوارح لا تعرف ما الطاعة ولا المعصية... فإذا عذبت النفس في دار الشقاء بما يمس الجوارح من النار وأنواع العذاب، فأما الجوارح فتستعذب جميع ما يطرأ عليها من أنواع العذاب. ولهذا سمي عُذاباً لأنها تَستعذبه كما يستعذب ذلك خزنة النار، حيث ينتقم لله. وكذلك الجوارح حيث جعلها الله محلاً للإنتقام من تلك النفس التي كانت تحكم عليها. والآلام تختلف على النفس الناطقة بما تراه في ملكها، وبما تنقله إليها الروح الحيواني. فإن الحس ينقل للنفس الآلام في تلك الأفعال المؤلمة، والجوارح ما عندها إلا النعيم الدائم في جهنم مثل ما هي الخزنة عليه ممجدة مسبحة لله تعالى، مستعذبة لما يقوم بها من الأفعال كما كانت في الدنيا. فيتخيل الإنسان أن العضو يتألم لإحساسه في نفسه بالألم، وليس كذلك. إنما هو المتألم بما تحمله الجارحة. ألا ترى المريض إذا نام، لا شك أن النائم حيّ، والحسّ عنده موجود، والجرح الذي يتألم به في يقظته موجود، ومع هذا لا يجد العضو ألماً، لأن الواجد للألم قد صرف وجهه عن عالم الشهادة إلى البرزخ، فما عنده خبر. فارتفعت عنه الآلام الحسية وبقي في البرزخ على ما يكون عليه، إما في رؤيا مفزعة فيتألم، أو في رؤيا حسنة فيتنعم، فينتقل معه الألم أو النعيم حيث انتقل. فإذا استيقظ المريض، وهو رجوع نفسه إلى عالم الشهادة، قامت به الآلام والأوجاع. فقد تبين لك إن كنت عاقلاً مَنْ يحمل الألم منك، ومن يحسُّ به ممن لا يحمله ولا يحسّ به. ولو كانت الجوارح تتألم لأنكرت كما تنكر النفس، وما كانت تشهد عليه. قال تعالى: ﴿ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ﴾ وقال ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولاً ﴾ . فاسم كان هو النفس، تسأل النفس عن سمعه وبصره وفؤاده كما قررناه. يقال له: ما فعلت برعيتك؟. ألا ترى الوالي الجائر إذا أخذه الملك وعذبه عند استغاثة رعيته به كيف تفرح الرعية بالانتقام من واليها.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٤٢٦