"أما الشهوة فهي آلة للنفس، تعلو بعلو المُشتَهى، وتسفل باستفال المشتهى. والشهوة إرادة الالتذاذ بما ينبغي أن يلتذ به. واللذة لذتان، روحانية، وطبيعية. والنفس الجزئية متولدة من الطبيعة وهي أمها، والروح الإلهي أبوها. فالشهوة الروحانية لا تخلص من الطبيعة أصلاً. وبقي من يلتذ به، فلا يلتذ إلا بالمناسب. ولا مناسبة بيننا وبين الحق إلا بالصورة. والتذاذ الإنسان بكماله أشد الالتذاذ. ولا يفنى في مشاهدة شيء بكليته، ولا تسري المحبة والعشق في طبيعة روحانيته إلا إذا عشق جارية، أو غلاماً ـ بالنسبة للجارية ـ وسبب ذلك أنه يقابله بكليته لأنه على صورته، وكل شيء في العالم جزء منه، فلا يقابله إلا بذلك الجزء المناسب. فلذلك لا يفنى في شيء يعشقه إلا في مثله. فإذا وقع التجلي الإلهي في عين الصورة التي خُلق آدم عليها، طابق المعنى المعنى، ووقع الالتذاذ بالكل، وسرت الشهوة في جميع أجزاء الإنسان ظاهراً وباطناً. فهي الشهوة التي هي مطلب العارفين الوارثين. ألا ترى إلى قيس المجنون في حب ليلى كيف أفناه عن نفسه لما ذكرناه. وكذلك رأينا لأصحاب الوله والمحبين أعظم لذة، وأقوى محبة في جناب الله من جب الجنس. فإن الصورة الإلهية أتم في العبد من مماثلة الجنس، لأنه لا يتمكن للجنس أن يكون سمعك وبصرك، بل يكون غايته أن يكون مسموعك ومدركك اسم مفعول. وإذا كان العبد مدرِك بحق هو أتم، فلذته أعظم وشهوته أقوى. فهكذا ينبغي أن تكون شهوة أهل الله... فمن عرف قدر النساء وسرهن لم يزهد في حبهن، بل من كمال العارف حبهن. فإنه ميراث نبوي، وحب إلهي. فإنه قال - صلى الله عليه وسلم - [حُبب إليّ من دنياكم ثلاث، النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة] فلم ينسب حبه فيهن إلا إلى الله تعالى. فتدبر هذا الفصل تر عجباً" (الفتوحات المكية ـ 189/ج2).
في معرفة مقام الفراسة وأسرارها: