تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لهذا لم تكف الشريعة الناس وإن كانت هي الكافية، فكيف ستكون كتب الشيخ كافية؟ ولهذا كان لا بد لنا من عرض وجهة نظره مع وجهات نظر الآخرين، ولكن بما أن لآراء ابن عربي أهمية خاصة قد لا تبدو لأول وهلة، لهذا أردنا أن ننبه القارئ لكي لا يتسرع في تلاوة هذه النصوص وإن وجد في فهمها بعض الصعوبات. فقد صعّب الله الوصول إلى المعادن الثمينة، وجعل الكنوز والجواهر النادرة في أعماق البحار لكي لا ينالها إلا الغوّاصون المهرة ، وهو ضرب مثل، فكيف بمن يريد الوصول إلى كنوز العلم وأسراره، وكيف بمن يريد أن يكون الحق له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً، ليظهر إلى الخلق بنور ربه لا بنور نفسه. فإذا كنّا لا نطمح إلى هذا المقام، ولا نبحث عن هذا الارتقاء، أليس اللائق بنا أن نقتدي بمن بلغ هذا المقام، وأن نتأمل ما قال لنكون مقلدين، إذا لم نكن مبدعين. لهذا يقف العاقل طويلاً أمام كلمات العارفين ولا يسأم من النظر فيها مهما بدت الصعوبات التي سيعانيها، لأن من يمسك بها إنما يمسك بمفاتيح نفسه، ومن عرف مفاتيح نفسه سيعرف الطريق إلى ربه، فهل هناك من له هذا التأثير والدور الخطير في الدلالة على الله مثل النفس؟ فمعرفة النفس هو الباب الموصد الذي إن فتح بالطاعة بما أمر به الشرع، سيدخل الإنسان منه إلى مدن الحق. فما هي النفس؟ هل هي ذلك البحر العميق الذي يحتوي على الكنوز الثمينة، والذي لا يصل إليه إلا الغواصون العظام؟ إننا سنجد لدى الشيخ ابن عربي أقوالاً متنوعة حول النفس، ولكن في كل قول مستوى من المعرفة وإن كان لا يشبه الآخر، إلا أنه يدل على بحر النفس الذي لا ساحل له، كما تدل الأحجار الكريمة على غنى البحار. ونحن إزاء ما ننقله لن نجد وصفاً لغوياً أو تعريفاً معجمياً، وإنما سنواجه أفكاراً متنوعة متصلة بالنفس. وهذه الأفكار بمجموعها ستكشف لنا عن بعض ما نريد أن نعرفه عن النفس، وإن كانت كما يبدو لا تسير وفقاً لمنهج محدد كما في لغة المنطق.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٤١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٤١٣