ثمة مشكلة أخرى طرحها الفارابي وردّ عليها بشيء من الغموض. وهذه تتعلق بخلود النفس. حول هذه القضية ترك الفارابي أقوالاً توحي بخلود النفس وأخرى ضد ذلك. وسر الغموض في أقواله يعود لأخذ الفارابي لأفكار الفلسفة اليونانية ولمحاولة توفيقها مع الدين الإسلامي. وقد لاحظ بعض الفلاسفة اللاحقين تردد الفارابي وعابوه عليه. منهم مثلاً ابن طفيل وابن رشد وابن سبعين. والأرجح أن الفارابي يعتقد بخلود قسم من الأنفس العالمة التي بلغت درجة عقلية عالية. أما الأنفس الجاهلة فمصيرها الفناء. ثم إن الفارابي يقول أحياناً بخلود بعض الأنفس الجاهلة، إنما في الشقاء.
ربما كان ابن سينا من أكثر الفلاسفة عناية ببحث موضوع النفس. وفي هذا السبيل كتب عدة رسائل منفصلة وزاد على الفلاسفة الآخرين بقصيدة عينية شرح فيها جملة آرائه بهذا الصدد. وقد انطلق ابن سينا من ضرورة البرهنة على وجود النفس، وله على ذلك عدد من البراهين. منها برهان الحركة الإرادية كحركة الإنسان الذي يقضي ثقل جسمه أن لا يتحرك، أو كحركة الطائر نحو الأعلى، وهذا يوجب بالضرورة وجود محرك زائد على الجسم. كذلك الإدراك لا يتم بواسطة الجسم بل يستلزم قوى مدركة بها يتمُّ التعرف على المجهولات. وكل ذلك لا يتم إلا (بجوهر واحد يتصرف في أجزاء البدن)، وهذا الجوهر هو النفس. ثم إن الجسم يتغير من حال إلى حال. ينمو يمرض ومع ذلك نقول إن الذات لم تتغير في مدى عمرها. وقولنا هذا لا ينطبق إلا على النفس التي تحافظ على وحدة البدن.