أما عند الفلاسفة فلأن المجرات لو قبلت خلع صورة وأخذ أخرى كانت باقية مع الأخرى. فلا تكون فانية، وأيضاً لو قبلت الفناء لوجب بقاء القابل مع المقبول فتكون باقية مع الفناء. هذا خلف.
والحق أن الجوهر الفائض عن الله المشرف بالاختصاص بقوله: ﴿ نفخت فيه منْ رُوحي ﴾ (الحجر/29) (الذي من شأنه أن يحيا به ما يتصل به لا يكون من شأنه أن يفنى مع إمكان هذا، والأخبار الدالة على بقائه بعد الموت وإعادته إلى البدن وخلوده دالة على أبديته.)
واتفق العقلاء على أن الأرواح بعد المفارقة عن الأبدان تنتقل إلى جسم آخر بحديث: "أن أرواح المؤمنين في أجواف طير خُضُر" إلى آخره لكن اختلفوا هل تكون مدبِّرة لذلك الجسم أو لا؟ فذهب علماؤنا إلى صحة ذلك بدليلٍ آخر الحديث، وقالت الحكماء: لا يصح أن تكون مدبّرة لتلك الأبدان، وإلا لكان تناسخاً، وهو باطل، ووافق محققو الصوفية العلماء ومنعوا لزوم التناسخ، لأن لزومه على تقدير عدم عودها إلى جسم نفسها الذي كانت فيه، والعود حاصل في النشأة الجنانية. وإنما هذا التعلق في النشأة البرزخية، وإنما سمي الروح روحاً لكونه في روح، أي في نعيم وسرور وراحة لعلمه بربه ومشاهدته إياه، أو لأنه راح في فسحات أفلاك معرفة خالقه بقوةٍ ما، وراح أيضاً في معرفة نفسه بما هو فقير إلى ربه وموجده، فكأنه أمر من (راح، يروح) فلما نقل من الأمر إلى الاسم ردت الواو كما دخل عليه التعريف فإنّ حذف الواو إنما كان لالتقاء الساكنين فكأنه إذا طلب من جهة قيل: راح إلى جهة أخرى.
والروح ما به حياة البدن نحو: ﴿ ويسألونكَ عن الرُّوح ﴾ (الإسراء/85) والأمر نحو: ﴿ ورُوحٌ منْه ﴾ (النساء/171) والوحي نحو: { يُنزَّل الملائكةَ بالرُّوح) (النحل/2) و ﴿ يُلقي الرُّوح مِنْ أمرْه ﴾ (غافر/15). والقرآن نحو: