هذا تشبيهاً وإثباتاً لأخصّ وصف لله تعالى في حق الروح، بل أخص وصفه تعالى أنه قيوم أي: قائم بذاته، وكل ما سواه قائم به، فالقيومية ليست إلا لله تعالى، ومن قال إن الروح مخلوق أراد أنه حادث وليس بقديم، ومن قال إنه غير مخلوق أراد أنه غير مقدر بكمية فلا يدخل تحت المساحة والتقدير. ثم اعلم أن الروح هو الجوهر العلوي الذي قيل في شأنه قل ﴿ الروح من أمر ربي ﴾ (الإسراء/8) يعني أنه موجود بالأمر وهو الذي يستعمل فيما ليس له مادة فيكون وجوده زمانياً لا بالخلق، وهو الذي يستعمل في ماديات، فيكون وجوده آنياً، فبالأمر توجد الأرواح، وبالخلق، توجد الأجسام المادية. قال تعالى: ﴿ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ﴾ (الروم/25) وقال: ﴿ والشَّمْسَ والقمر والنجوم مسخًّراتٍ بأمره ﴾ (النحل/12 ـ الأعراف/54) والأرواح عندنا أجسام لطيفة غير مادية، خلافاً للفلاسفة، فإذا كان الروح غير مادي كان لطيفاً نورانياً غير قابل للانحلال، سارياً في الأعضاء للطافته، وكان حياً بالذات، لأنه عالم قادر على تحريك البدن، وقد ألف الله بين الروح والنفس الحيوانية، فالروح بمنزلة الزوج، والنفس الحيوانية كالزوجة، وجعل بينهما تعاشقاً، فما دام الروح في البدن كان البدن بسببه حياً يقظان، وإن فارقه لا بالكلية، بل كان تعلقه باقياً ببقاء النفس الحيوانية فيه كان البدن نائماً، وإن فارقه بالكلية بأن لم تبق النفس الحيوانية فيه فالبدن ميت، ثم الأرواح المخصوصة متحدة في الماهية لتصير أشخاص الإنسان ماهية واحدة، ثم هي أصناف، بعضها في غاية الصفاء، وبعضها في غاية الكدورة، (وهي حادثة. أما عندنا فلأن كل ممكن حادث، لكن قبل حدوث النفس) لقوله عليه الصلاة والسلام: ﴿ خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ﴾ وعند أرسطو: حادثة مع البدن، وعند البعض: قديمة لأن كل حادث مسبوق بمادة ولا مادة له، وهذا ضعيف. والأرواح لا تفنى.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٣٩٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٣٩٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي