تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذا هو حجّ العارفين الدائم الممزوج برحمة الله للخلائق، فلا يهدمون ما أقامه الله، ولا يغيبون عن شهودهم لله، لأن أرواحهم تنزهت عن رؤية الأغيار، وإن كانت لهم نفوس. فهم ﴿ لا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴾ ، لا بالمجاهدات والحرمان الذي لا يفيد. ولا يطفئون أنوار عقولهم بالجهل، ولا يحكّمون أرواحهم في شريعة ربهم، بعد أن صدر الحكم، واكتمل الشرع. ويعطون لكل صاحب حق حقوقه المشروعة، لأنهم يدركون أن الأجسام هي التي تحمل أرواحنا وعقولنا ونفوسنا، ولكل قوة دورها الذي لا تكتمل بدونه مسيرة الإنسان ورحلته التي بين الدنيا والآخرة. ولهذا اعتنوا بأجسامهم وأعطوا للنفوس حاجاتها المشروعة، فتوجوا كل عضو فيهم بتاج المعرفة ومراعاة الحدود، فصار خليفة على من دونه في أرض نشأته، فاستمتعوا بالطيبات في كل مجال، لأن الحق أعطى كل شيء كماله، فلم يخلق النفوس للنقصان، بل للكمال، فحبب للرسول - صلى الله عليه وسلم - [الطيب والنساء وجعلت قرة عينه في الصلاة]. وهكذا تلاقت الأكوان، لخدمة الخلفاء، فشهدوا الجمال والجلال، وهم في كل موقف على صلاتهم عاكفون، وفي محراب أفئدتهم ساجدون، وبمعبودهم إلى فيض الإبداع ناظرون. فتنعّم فيهم كل عضو وكل جزء بالحب الذي فاز بليلاه، فصارت نفوسهم عندهم ما هم عندها دليل سيادة وعبادة. فأحلوا الطيبات وحرموا الخبائث، حرصاً على الأبدان والنفوس والعقول والأرواح، فكان لهم من اسم الرحمن الظهور بالمعنى والحكم، فقد "خلق الله الإنسان على صورة الرحمن". فالتقى الظاهر بالصفات بالموصوف. فزالت الحجب وأشرق النور.

النفس والعقل والروح في اللغة

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٣٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٣٥٢