تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشعور بالفراغ بعد الامتلاء، والإحساس باللاجدوى من الإشباع المادي للجسد، ومحدودية الخيارات المتاحة للنفس، والممثلة بالطعام والجنس، والتكرار الممل، المهين أحياناً، لإشباع هذه الرغبات. إن النفس تدرك أحياناً شقاءها ومعاناتها، فتنظر إلى العقل لإخراجها من أزمتها وعذابها. ولكن العقل سيطالبها بالتضحية بما تعتبره سر سعادتها وجوهر وجودها. سيطالبها، بالتعالي الذي فُطر عليه، إلى اتباعه وطاعته، وتسخير الجسد والنفس للارتقاء إلى مستوى معرفته وأسئلته. ولكن النفس ستكون كالولد الغادر، تخضع عند الإشباع واليأس، ثم تتمرد من جديد كلما اشتدت المثيرات المادية في التأثير عليها. ولأن العقل لا يملك أجوبة على كل الأسئلة التي يثيرها في أعماقه. ستجد النفس سبباً للتمرد، وكأنها تقول له: إذا كنت أنت نفسك الذي تطالبني باتباعك لا تعرف الجواب على كلّ الأسئلة التي تثيرها فكيف سأطمئن إليك وأضحي بما أعرف أنه يسعدني، ولماذا لا تأتي أنت معي إلى عالمي وتساعدني على تحقيق متعي بدلاً من النظر إليها بازدراء واحتقار؟. وسوف ينساق العقل إلى الاستسلام أمام تحدي النفس وإغراءاتها، كلما تضاءلت معرفته. ولهذا لا تصمد العقول غير المحصنة بالمعرفة العالية أمام الإغراءات الدنيوية. فكان لا بد لكل شريعة من تحصين العقل بالمعرفة لتدريبه على مواجهة النفس، وصدّ هجماتها الشرسة والماكرة لخرق قوانين العقل وتحطيمها، فبدأت كل شريعة بـ ﴿ اقرأ ﴾ لتعرف، وتعبر الجسر المنصوب فوق ظلمات النفس، وتخرج منه إلى نور العقل. وبإغراء من هذا النور يبدأ الإنسان العاقل بالبحث عما وراء الطبيعة فتزجه الحيرة على أبوابها حتى يصل إلى الله. فإن وصل سيعرف بأن الله لا يُعرف، إلا بما يراه من إمداد الروح المذهل. فينام في حيرته نوم الأشباح التي تطير من شهود إلى شهود، مستمتعة بحيرتها وذهولها، وطالبة له.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٣٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٣٥٠