فكيف سيخرج من أصابه الغرور، بأصله أو نسبه أو علمه أو ماله أو جسده، إلى ساحات العلم راضياً بدور التلميذ المتواضع الصامت، وهو ربما من فقهاء الكلام، وخبراء البلاغة، الذين حفظوا قواميس اللغات شرحاً وإعراباً؟. كيف سيؤمن بنبوة ورسالة، وهو عابد لهواه؟. ألم يجعل إبليس النار ربّاً له، وكان سيرضى بالسجود لآدم لو خلق من نار، وربما لغروره، لو خلق الله الإنسان من نار لقال في نفسه كيف أسجد لمن هو مثلي؟. فمن يعبد هواه لا يؤمن إلا برب من صنعه، فكيف سيدخل مثل هذا جنة المعرفة وهو مسحور بما في نفسه من أوهام؟. إنها مشكلة الأبواب المغلقة التي لا تفتح إلا للمتواضعين. إذاً على النفس أن تخضع للعقل وأن تتعلم منه، وعلى العقل أن يخضع للروح ويصغي إليها، وعندها ستنزل ليلة القدر على السالكين التي تفوق في أهميتها عمر الإنسان بكامله، فهي ﴿ خيرٌ من ألف شهر. تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر. سلامٌ هي حتى مَطلعِ الفجر ﴾ (القدر/3 ـ 5). فمن شهدها سينعم بالسلام والاطمئنان، حتى يشرق فجر حياته في آخره ليس فيها منغصات الدنيا وهمومها. ولهذا يفرح المؤمنون بالموت وإن كانوا لا يطلبونه، لأن الموت حياة المؤمن، وجحيم الكافر. تصوروا ما هو حال الكافر الذي يبشره طبيبه بالموت الوشيك كيف يحزن ويتألم؟. بينما ستضحك فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وهي الكاملة، عند إخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - لها، وهو على فراش الموت، بدنو أجلها. عن عائشة قالت" قلت لفاطمة ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . رأيتك حين أكببت على النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه فبكيت ثم أكببت عليه ثانية فضحكت! قالت: أكببت عليه فأخبرني أنه ميت فبكيت، ثم أكببت عليه الثانية فأخبرني أني أول أهله لحوقاً به، وأني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم ابنة عمران، فضحكت" (كنز العمال ـ 37730/ج13) وقد توفيت بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بستة أشهر.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٣٤٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٣٤٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي