تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن الله أراد أن يبدأ الناس من التصديق بما جاء به الرسل، وحسن الظن بهم، حتى يصلوا إلى اليقين والمشاهدة بالروح، لأن طبيعة الإنسان تتطلب دوام الترقي. وهذا هو امتحانه الصعب. لأن الناس منهم البطيء والسريع، ولهذا أعدت منازل الآخرة لرحلة جديدة من الترقي عبر المعرفة، بالنعم للعارفين، وبالمعاناة والعذاب للجاهلين للتخليص من شوائب المادة التي لا تساعد الروح على الانطلاق إلى جنات النعيم. وهذا ما يجعلنا ننظر إلى النفس والعقل والروح كعناصر كامنة في الجسد، لا تظهر إلا بظهوره. والجسد هو الذي سيحول الطاقة التي ينتجها إلى مفاتيح لإشعال شهوات النفس أو نور العقل أو أنوار الروح الإلهية. وعندما يموت الجسد سيتابع الإنسان مسيرته بالمركبة الجديدة التي أعدها لنفسه في عالمه الجديد، حاملاً معه المعاني التي عاشها في حياته الدنيا، والأهداف التي سعى إليها. وهذه المؤهلات هي التي ستحدد له سير مركبته ومكان هبوطها، كما يحدد الثقل النوعي للمواد من سيطفو منها على سطح البحر، ومن يغوص في أعماقه. فالروحانيون سيطيرون بأرواحهم إلى حيث شاؤوا، والماديون سيهبط بهم ثقل أمتعتهم ويمنعهم من الطيران حتى يحترق ما بهم من الأوهام والضلالات النفسية. فلكل فعل رد فعل، ولهذا سيحل المنتقم في دار الأشرار ليردّ لهم ما اقترفوه بحق الآخرين حتى يستقيم الميزان، ويتحقق الاعتدال، ويستمر الترقي. إنه مصير الإنسان وقدره الذي سيظل في رحلة دائمة بين العوالم منذ كان في عالم الذر شبحاً في باطن العالم إلى وقت ظهور جسده وتسويته ونفخ الروحية لإلهية فيه، ليكون أهلاً لحمل الأمانة المعرفية، التي بسببها أمر الله الملائكة بالسجود لآدم وذريته عندما تفوق عليهم بعلوم لم يعلموها { قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال أَلم أقلْ لكم إني أعلم غيبَ السموات والأرضِ وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمونَ.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٣٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٣٤٥