فالتحذير كان رحمة. لقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه "العجز عن درك الإدراك إدراك" فإذا كان لكل معرفة حداً، فإن الوقوف عند حدودها وعدم تجاوزه هو علم وحكمة وإدراك لما نحاول أن ندركه. ولكن هل النفس الإلهية تتعرض لما تتعرض له كل نفس. هنا أيضاً يجب أن نتوقف عن المقارنة لأن نفس الله هي نفس العالم، والعالم لا بداية له ولا نهاية. وهو لا يرضى لعباده إلا الخير، كما لا يرضى الصانع لمصنوعاته أن لا تقوم بأداء العمل الذي صنعها من أجله. وقد حدد الله غايته من خلق الإنسان فقال: ﴿ وما خلقت الجن والإنسان إلا ليعبدون ﴾ (الذاريات/56). وقال ابن عباس في تفسيره، أي ليعرفون. ومن يعرف الخير سيسعى إليه، ومن يعرف الشر سيتجنبه، ولهذا منح الله الإنسان أسرار المعرفة التي سيستحق بها العارفون الخلافة. ولهذا قال ﴿ إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ (الزمر/7). وجاء في الحديث: [قال الله تعالى: يا عبادي: إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً بينكم فلا تظالموا.. يا عبادي: إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" (كنز العمال ـ 43590/ج15). فأين المقارنة بين نفوسنا المحجوبة بظلمة الجسد وشهوات الغرائز، وبين نور الذات الإلهية الذي يضيء العالم. وقد ذهب أغلب المفسرين إلى أن الآيات ﴿ ويحذركم الله نفسه ﴾ هي للتحذير من غضب الله على الذين يخالفون ما أمر به، وهذا حكم على نتائج المخالفة. وهذا يكمل قراءتنا للأسباب التي سيصنعها الجهل الذي سيقود حتماً إلى البلاء، فالمعرفة نعمة، بل هي أعلى النعم التي جاء بسببها تسخير الملائكة لخدمة الإنسان ومساعدته، بينما سيحرم الجاهلون من هذه النعم التي رفضوها حين استبدلوا المعرفة بالمتع الجسدية الزائلة.
من النفس إلى العقل إلى الروح
ما الذي نستخلصه من هذه الملاحظات؟.