3 ـ لقد وصف الله الروح دائماً بالصدق فيما تسمع وتشهد وتخبر، لأن الروح الإنسانية لا تتلقى إلا من الله إلهاماً من وراء حجاب، أو بوساطة الملائكة. وبهذه الروح عرف الرسول - صلى الله عليه وسلم - الإيمان، وتلقى القرآن الذي لا علم له به من قبل، كما تلقى الرسل شرائعهم. فقال الله ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتابُ ولا الإيمانُ ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاءُ من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ﴾ (الشورى/52). وبه كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ﴿ لا ينطق عن الهوى ﴾ وبه نزل جبريل أيضاً ﴿ نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين ﴾ (الشعراء/ 193/194) وبه تأيد عيسى وأمه - عليه السلام - ﴿ أذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس ﴾ (البقرة/ 87، و253).
4 ـ إن الروح يمكن أن يتمثل بالصور، كما كان جبريل يظهر أحياناً في صورة الصحابي "دحية الكلبي" كما ورد. وكذلك تمثل لمريم
العذراء بصورة بشرية، وكلمها ﴿ فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً (18). قال إنما أنا رسول ربكِ لأهبَ لك غلاماً زكياً ﴾ (مريم/ 17/19). وهو تكريم لعبادتها وعفافها. فجعلها الله وابنها آية للعالمين، لكي لا يزعم القائلون أن الله لا يخلق إلا باجتماع الذكر والأنثى، أو إن الخلق من صدف الطبيعة. فكما خلق الله آدم من دون أم، فقد خلق عيسى من دون أب.
5 ـ إن الروح يمكن أن تنزل على غير الرسل والأنبياء، لتثبيت الذين آمنوا واستقاموا، وطمأنة قلوبهم، لأن العابد عندما يتلقى بشارة من الله سيرتقي بإيمانه من حسن الظن إلى اليقين. وهذا هو التثبيت الذي يتم بانفتاح عالم الروح. وقد تكررت الآيات التي تشير إلى مثل هذا الاتصال بالعباد. فقال الله ﴿ قُلْ نزَّلهُ روح القُدسِ من ربِّك بِالحقّ ليثبّتَ الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ﴾ (النحل/ 102).