تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5 ـ لقد أثنت أغلب الآيات القرآنية التي ورد فيها ذكر العقل عليه، ولم ترد إلا نادراً في ذمّه، مما يدل بأن العقل لا صلة له بالنفس إلا من قبيل قدرته على هدايتها وإرشادها إلى الخير عند إذعانها له والرضى بأحكامه. وهذا ما يفهم من تمييز الله بين من يعقل ومن لا يعقل. فالآيات الكونية لقوم يعقلون ﴿ كذلك نفصّلُ الآيات لقوم يعقلون ﴾ (الروم/ 28). بينما نفى عن الكافرين والضالين التعقل، ليس لأنهم لا يملكون عقولاً، ولكن بمعنى أنهم لم يستخدموها، وظلوا عند مقام النفس الحيوانية. فوصفهم الله بأنهم لا يعقلون. وقال عنهم ﴿ صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون ﴾ (البقرة/ 171). و ﴿ إن شر الدواب عند الله الصمُّ البكمُ الذين لا يعقلون ﴾ (الأنفال/ 22). و ﴿ يجعلُ الرجس على الذين لا يعقلون ﴾ (يونس/100) و ﴿ أفأنت تسمع الصمَّ ولو كانوا لا يعقلون ﴾ (يونس/ 42). لقد فرق الله بين العقلاء وغير العقلاء بالإيمان واعتبار الآيات الكونية. وهذا يدلنا بأن العقل كالناصح للإنسان لا يفيد صاحبه إلا إذا استمع إليه وعمل بنصحه، مما يدل بأنه على عكس النفس لا يأمر إلا بالخير. ولكن بعض العقلاء يكذبون على الله أحياناً، أو ينسبون إليه ما لا صحة له ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ﴾ (المائدة/ 103). وهذا يضعنا أمام مشكلة الطعن بالعقل، لأن الكافرين إذا كان "أكثرهم لا يعقلون" فإن بعضهم يعقل ويكذب على الله. فهل هذا استدراك لكي لا نحسن الظن دائماً بالعقل، أو بمن نظن أنه من العقلاء. لقد تغيرت صورة العقل في هذه الآية، ولكن هذا الحكم الإلهي له أسبابه، لأن حدود العقل وذروة معرفته تتعلق بإدراك العالم المادي وهو مع ذلك يخطئ ويصيب. يخطئ حين يحاول أن يدعي العلم بما وراء الطبيعة باجتهاده الخاص، وليس من علم الرسل، كما يفعل أغلب الفلاسفة. ويصيب إذا التزم بحدوده وعمل في مجال اختصاصه، وآمن بشرع ربه المقرر على ألسنة رسله.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٣٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٣٣١