تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... وهذه هي الظلمة التي يطيب للنفوس البهيمية أن ترتع فيها، إذا لم يردعها العقل، وتُسلّم له، ليأخذها إلى اللذات التي تدوم, بدلاً من اللذات الآنية والقاتلة، ومنها لذة الأكل التي تنتهي بعد ابتلاع اللقمة، ولذة الجنس التي تنتهي بعد دقائق. إنها معركة الإنسان مع نفسه التي سيحسم فيها مصيره، وينتج بها ثماره، ويحدد من خلالها قَدره. ولهذا لا يتغير الناس حتى يغيروا ما بنفوسهم وينتصروا عليها، لأن النفس كما هي طبيعتها لا تأمر بخير إلا ما رحم بي. ولا تصل إلى هذا المقام إلا بعد المجاهدات والانتصار عليها، أي بالأسباب، فلا تطلب من الله العون على نفسك إذا كنت لا تستعين بعقلك عليها. وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - [ما منكم من أحد إلا ومعه شيطان. قالوا وأنت يا رسول الله؟. قال: وأنا، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم] (كنز العمال ـ 1243 /ج1). وقد بيّن أن الشيطان "يجري في الدم"، أي في الجسد، وقال "ضيقوا مجاريه بالجوع" ونصح من لم يتوفر له المال للزواج بالصوم، مما يدل بأن شهواتنا الجسدية هي شيطان الإنسان الخاص الذي لا يأمر بخير إلا بعد الخضوع للعقل. ولهذا كان الحكم الإلهي ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئةٍ فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولاً وكفى بالله شهيداً ﴾ (النساء/79). فبما أعطانا الله من التعقل والحكمة والروح سيأتينا الخير، وباتباع أهواء النفس سنكون قد حكمنا على أنفسنا، وإن كانت طبيعتنا الجسدية من الله، ومن هنا كانت حريتنا ومسؤوليتنا باتباع رسولنا الخاص العقل والروح، وشريعة الرسول الخاتم - صلى الله عليه وسلم - ، أو اتباع هوى النفس، وكل ما فعلناه بقضائه وقدره، أي بما أعطانا من الإمكانيات والخيارات "لا برضاه" فالله لا يرضى عن الشر. فهو الذي ﴿ ألهمها فجورها وتقواها ﴾ (الشمس/7) ليختار الإنسان بين الطاعة والمعصية، وينال بما اختار المكانة والمكان.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٣٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٣٢٨