وإن ما وصف به حال أهل الجنة من قدرتهم على التمثل بأي صورة شاؤوا، وطعامهم الذي تكون فضلاته تعرقاً رائحته أطيب من المسك، كلها تؤيد تغير طبيعة الأجساد وتحولها إلى طاقة، وإن كنا نشهد بأنه لا أثر لأي فضلات للنبات رغم أنه يتغذى، وما ينتج عنه هو ثمار وروائح طيبة رغم أنه من عناصر الطبيعة، وكذلك النحل، فليس من الضروري أن يخلق الإنسان من غير الطبيعة، وأن يكون طاقة، لكي تتغير صفات غذائه وحياته وما ينتج عنه، فإن الله على كل شيء قدير. ولكن "التسوية" في كل عالم تقتضي عللاً وأسباباً لا تناسب العالم الذي نعيش فيه، ولا تزول الأسباب من العالم، ومن رفع الأسباب فقد رفع الحوادث، ولهذا فإن كل عالم يدور بأسباب لا يدور بها العالم الآخر. وهذا ما تثيره مسألة الخلود في الآخرة التي لا تتفق مع طبيعة التركيب المادي للأجساد، وإنما مع التركيب الروحي. ومن هنا تبدو العلاقة بين مقامات أهل الروح في الجنة حيث يوجد الأعلى والأدنى، وكذلك في درجات أهل النار تبعاً لكثافة نفوسهم البهيمية في الدنيا، إذ سيطير العالي بروحه، وسيهبط الثقيل بجسده حسب وزن أعماله إلى أسفل، كما يغرق الحديد في الماء بسبب كثافته. وكأن كل ما أكله الإنسان من حرام في حياته سيتجمع في جسده. وهذا ما يفسر حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن ضرس الكافر سيكون في الآخرة مثل جبل أحد. فهل سيتاح لإنسان بهذا الوزن أن يعبرَ الصراط دون تعثر ومعاناة؟. ولكن هل تدرك النفس الحيوانية كل ما ستتعرض له من المعاناة والآلام في الدنيا والآخرة؟. من المؤكد لا، فكم من المسلمين انحرفوا وضاعوا عندما تسلطت عليهم شهوات النفس، وكم من الناس دخلوا السجون بسبب شهوات النفس، وكان بعضهم في أرفع المناصب، وكم يصاب من الناس "بالإيدز" كل عام رغم اتفاق الأطباء على أن الزنا والشذوذ سببه الرئيسي.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٣٢٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٣٢٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي