فالنفس آلة تعكس ما يريده الجسد، ولهذا فإنها تظل في حالة مقاومة ونزاع مع العقل، لعجزها عن النظر لغير الشهوات حتى تستسلم كلياً وترضى بحكم العقل وسيادته عليها، وتذعن لما يفرضه العقل على الجسد من الاعتدال في الشهوات المشروعة. لأن النفس دون حكم العقل لا تهتم للشهوات إن كان حلالاً أو حراماً. ولهذا فهي ﴿ أمارة بالسوء ﴾ بالأصل بحكم طبيعتها وتركيبها، والجاهل معذور إذا لم يجد من يعمله. ولهذا جعل الله العقل معلماً للنفس، فإن أبت أن تتعلم منه فإنها ستكون قد استحقت العقاب الذي ستناله في الدنيا بتدميرها للجسد، وبعد الموت، بتعلق النفس بالماديات التي لا وجود لها في العالم الآخر، وبشهودها لكل الأعمال التي ارتكبتها كما تشير الشرائع. وإذا كنا لا نستطيع أن نحدد الحالة التي سيكون عليها الإنسان بعد الموت إلا بالإيمان بما ورد في الشريعة. فإننا نستطيع من خلال بعضِ الإشارات النبوية أن نستنتج بأن الإنسان سيتحول إلى طاقة كثيفة أو لطيفة تبعاً لأعماله. وبهذه الطاقة النورانية سيتمكن أهل الجنة من العيش في الجنة، بينما ستكون النار وسيلة تطهير أهل النار من خبث الشهوات لتأهيل من يصلح منهم للانتقال إلى الجنة، كما نخلص الذهب من التراب بصهره. وهذا ما نستنتجه من وصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - للناس عند مرورهم على الصراط في الآخرة، حيث سيكون بينهم السريع والبطيء والمتعثر والساقط على النار، بينما ستقول النار للمؤمن "جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" (كنز العمال ـ 39029/ ج14). ومن المعروف أن النور هو خلاصة النار والصافي منها، أي الطاقة الخالصة، فالتبديل الذي سيجري في الآخرة، والانتقال من المقامات، سينجز وفقاً لأسباب دنيوية تتعلق بصنع الإنسان لنفسه وتأهيلها إما للاندماج بالمادة والتعلق بها، أو الهجرة إلى عالم الروح حيث سيكون الصراط هو الميزان الذي سيحكم عنده الماضي على الحاضر، والدنيا في الآخرة.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٣٢٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٣٢٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي