تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن الروح كما أنها قادرة على إدراك عالم الروح فإنها قادرة على إدراك المادة، ولكنها لا تظهر في عالم الوجود إلا بثوب مادي. فإذا اعتبرنا طيران الطائرة روح الطائرة، فإن هذه الروح المبدعة لا تظهر إلا في المادة المصنوعة.

4 ـ لقد وصف الله النفس بأنها ﴿ أمارة بالسوء ﴾ و ﴿ لوامة ﴾ وقابلة للفجور والتقوى ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ وبأنها سبب كل شر يصيب الإنسان، والأمة أيضاً ﴿ وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ (النساء/79). و ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ (الرعد/ 11). وكل الآيات تبيّن أن حدّ النفس وكمالها هو تجنب الشر وليس المعرفة، إذ أن كمال خيريتها سيكون في خضوعها للعقل وتجنب منازعته فيما لا علم لها به، والامتثال لما يأمر به. لأن النفس في حقيقتها لا تأمر إلا بالسوء ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ﴾ (يوسف/53). والسبب أن النفس لا تدرك من الوجود إلا ما يسعدها، وسعادتها تتمثل في الطعام والشراب والجنس، لأنها لسان الجسد الذي لا يلتذ إلا بما يماثله من الماديات، فالمعدة تطلب الطعام، والعورة تطلب العورة، وكل آلة وحاسة تطلب ما يماثلها، مما يجعل النفس مشغولة دائماً بتلبية حاجات الجسد، غائبة عن كنوز العقل والروح، ورافضة لها، ولما يفرضانه عليها من النظام والحرمان، ولهذا فهي في حالة صراع معهما دائماً، حتى يفرض العقل سلطته عليها. وحين تعرف بما عنده من العلوم، وتتيقن بفائدة قيادته لها، تدخل في مرحلة النفس اللوامة، حيث ستدرك جهلها، وفائدة العقل في قيادته لها، بحمايتها من الإقبال على اللذات المدمرة للجسد الذي تظن أنها تقوم على رعايته وتحقيق سعادته بتلبية كل ما يطلبه منها، بينما هي في الحقيقة تسرع في تدميره.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٣٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٣٢٤