تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... إذن مواصفات المادة يمكن أن تتغير من حال إلى حال، وأن تفقد في كل حالة صفاتها السابقة دون أن يكون هناك أي إمكانية لإعادتها إلى الحالة التي كانت عليها. وهذا يقودنا إلى نتيجة وهي أن ما به صارت النفس نفساً يمكن أن تصير بمستوى أعلى من الطاقة عقلاً، وبمستوى أعلى روحاً، عن طريق تجميع الطاقة الإنسانية وصرفها لأهداف عليا بدلاً من هدرها في الانحدار. وإذا كان من سمات المادة الإنسانية التنوع في العناصر والآلات والحواس لكي ندرك بها تنوع العالم المادي، فإن من سمات الطاقة التجانس وعدم التنوع، مع أنها صالحة لإمداد كل مادة بما تحتاج إليه وكأنها روح المادة. وسيكون من المؤكد أنها الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن ندرك بها الطاقة الكونية، مما يدل بأن كلّ شيء لا يدرك إلا بمثيله. ولهذا كان تركيب الإنسان من نفس مادية لإدراك العالم المادي، ومن روح لإدراك الروح الإلهية الخلاقة، وتقليدها بالإبداع الإنساني. وهذا ما يسمح لنا بأن نستنتج، أن النفس هي لسان الجسد في الإنسان، بينما الروح هي النافذة التي سيطل منها الإنسان الذي فتحها على عالم الحقائق الإلهية. بينما سيكون العقل مثل الميزان لترجيح الاختيار الحر للإنسان بين العالمين، لأن عالم النفس والروح كلاهما لا يسمحان بالحرية ولا يتيحانها لمن أقبل على أحدهما. فمن غرق في عالم الجسد والماديات سيُستعبد لها، ومن غرق في أنوار الروح وذاق جمالها الذي لا يوصف لن يستطيع العودة إلى عبودية الجسد أو العقل، وكيف سيعود وقد أصبح على دراية بعيوبهما وزلاتهما وأمراضهما. ولهذا حين قيل لأبي سليمان الداراني، إن بعض أهل المعرفة وصلوا ورجعوا، قال" لو وصلوا ما رجعوا، وإنما حرموا الوصول لتضييعهم الأصول" (1). فالمادة إذاً هي وسيلتنا لإدراك مادة العالم، والطاقة أو الروح هي وسيلتنا لإدراك روح العالم وطاقته.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٣٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٣٢٣