تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من لا يشمئز منه العالم، ولا يشمئز من العالم، ومن يتحرر من طغيان الشهوة، الغضب، والخوف ـ هو الحبيب إلي. من لا يشتهي شيئاً (من أجل لذاته أو سعادته)، إنسان تقي، مثابر، عادل، هادئ (مهما تكن الظروف)، ومن يتخلى عن كل منفعة في العمل ـ إنه المتعبد لي والحبيب إلي. من لا يبتهج، ولا يعادي أحداً، لا يحزن ولا يرغب (في أي شيء) ويتخلى عن تعلقه بالملذ وغير المللذ ـ حبيب إلي لأنه حقق بها كتبي. من لا يفرق بين عدو وصديق، ويسلك سلوكاً مماثلاً عندما يُوقر أو يُهان، ويبدي موقفاً واحداً نحو البرودة والحرارة واللذة والألم، ويتحرر من التعلقات، ويتساوى عنده اللوم والمديح، الصامت، والقانع بكل شيء، من لا منزل له، صاحب الغاية الثابتة ـ (ذلك) الإنسان، حبيب إلي، لأنه حقق بها كتبي. أما الذين يكرسون أنفسهم لهذه الطريق السامية في الحياة، ويجعلونني بفيض إيمانهم غايتهم العظمى ـ أولئك المتعبدون أحباء للغاية" ((26). هل هذا تعليم، أم مشاعر جياشة يمكن أن تطفو في قلب كل محب صادق للخالق والعالم، كما نلمسها في شعر الحلاج ورابعة العدوية وابن الفارض؟. إننا نقبلها كشعر جميل، ولكن ليس كمعرفة وتعليم يمكن تحقيقه وتطبيقه، لأن العالَم بحاجة إلى إصلاح العارفين أكثر من حاجته إلى العابدين الذين تخلوا عن العالم والإنسان من أجل الله، لأن الله غني بذاته عن كل حب لا ثمار له، ولا تأثير، ولا دور في حياة البشر ومصيرهم. وعبادة العابد لذاته، وعمل العالم العابد لذاته ولغيره. وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - [إذا اجتمع العالم والعابد على الصراط؛ قيل للعابد: ادخل الجنة وتنعم بعبادتك، وقيل للعالم: قف هنا واشفع لمن أحببت فإنك لا تشفع لأحد إلا شفعت. فقام مقام الأنبياء] (كنز العمال ـ 28688/ج10). ومع ذلك فإن الأمم لا تخلو من عابدين لهم أجرهم عند ربهم، وعلماء قدوتهم الرسل في سعيهم لإصلاح الناس.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٣٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٣٠٠