تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك أن دخول المريد في الحياة الدينية بشكل أقوى مما نراه في نماذج أخرى من تنسيب المراهقين إنما هو نتيجة لتجربة شخصية تبدو من خلال الأحلام والرؤى التي تستدعيها ممارسة التقشف أثناء الاعتزال. إن للمريد رياضات يتبعها ومجاهدات يكابدها. إنه يلتزم الصوم، لاسيما في الأيام الأربع الأولى من الاعتزال ـ والصوم عادة قديمة للغاية ـ ويسعى أيضاً إلى تنقية ذاته بعمليات تطهير متكررة، ويفرض على نفسه محظورات في الطعام. فضلاً عن خضوعه إلى العديد من التدريبات التقشفية مثل الاستحمام بالبخار أو بماء شديد البرودة، وتعريض جسمه للحروق أو التشطيب الخ. في الليل يغني المريد ويرقص. وعند الفجر يصلي من أجل أن يُقبل إليه الروح الحارس ويحلّ فيه. عقب تلك المجاهدات المتصلة يأتيه الوحي من لدن الروح.... تبقى العلامة الخاصة المميزة لكل العمليات التنسيبية في أمريكا الشمالية ماثلة في اعتقاد مفاده: أن المريد يقوى على امتلاك الروح الحارس بفعل التقشف والمجاهدة التي يحتملها في فترة الاعتزال. إن المريد الزاهد المتقشف يواصل إلغاء شخصيته الدنيوية، غير الدينية، بتعبير آخر، إنه يواجه في وحدته وانفراده، موتاً تنسيبياً... إن انعزال المريد في مكان مهجور موحش ليعادل اكتشافه لقداسة الكون وللحياة الحيوانية. فكأن الطبيعة بأسرها، تعري ذاتها أمام ناظريه، فيراها كما هي، تجلياً للقداسة" (3). أما مدة العزلة والمجاهدات لتحقيق الحضور الروحي فإنها تختلف من شعب إلى آخر "باختلاف تراث الشعوب وثقافاتها" كما يقول ميرسيا إيلياد "وهو ثلاث أيام في أستراليا وفي الهند، وعشرون شهراً في أرلندا الجديدة. وتبلغ عدة سنين في كومبودج" (4). كما يسمح للبنات بتأليف جماعات خاصة لأهداف تربوية "وفي هذه الحالة تحتفلن بالتنسيب، بصورة جمعية، تحت إشراف قريبات تقدم بهنّ العمر، كما في الهند، أو يجري برعاية نساء طاعنات في السن، كما في إفريقيا.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٢٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٢٨٥