تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن البحث الذي قام به "ميرسيا إيلياد" في كتابيه "ملامح من الأسطورة" و"التنسيب والولادات الصوفية" سيقدم لنا الدليل على التشابه بين كل محاولات الترقي الروحي في كل بقاع الأرض، مع فوارق طفيفة غالباً، مما يدل بأن أصل التعليم كان واحداً، وهم الأنبياء ومن تتلمذ على أيديهم. كما أننا سنواجه انحرافاً لدى بعض القبائل مثل نبذ المتدرب لأمه وشتمها كدليل على وصوله إلى طور الرجولة "وفي بعض المناطق من غينيا الجديدة، يدوس المريد فوق جسد أمه، ويحرص على وضع قدمه على بطنها. وبذلك يؤكد انفصاله، نهائياً، عنها" (1). وفي أماكن أخرى ستدخل الإباحية الجنسية في المعتقدات الدينية لبعض الجماعات المنحرفة، كما هو الشأن في عصرنا مع بعض الفئات الضالة من أتباع الرسالات السماوية رغم التحريم الصريح والواضح للزنا. ولكن الغاية العامة لكافة الطرق الروحية، إنما كانت تهدف إلى الكشف عن حقيقة الإنسان التي لا تظهر إلا بالروح. إذ "بالتنسيب يتجاوز الفتى نمط الحياة الطبيعية، ونمط حياة الطفولة، ويرقى إلى نمط ثقافي. أعني أنه يدخل إلى عالم القيم الروحية. وقد يصح القول إن التنسيب في نظر أبناء العالم البدائي، هو الذي يمنح البشر الشرط الإنساني" (2). ولكن ما هو الطريق الذي سيتبعه المريد لتحقيق شرطه الإنساني في القبائل البدائية. يقول ميرسيا إيلياد "إن العنصر الأساسي للتنسيب في أمريكا الشمالية يتمثل في الانسحاب وفي اعتزال الفتى في خلوة: اعتزال في جبل أو في غابة، من سن العاشرة وإلى السادسة عشرة. لكن هنالك شيء أكثر من انفصال الفتى عن أمه أثناء التنسيب ـ هنالك قطيعة بين المريد وبين سائر الناس. إن تجربة دينية يخوضها المريد تبدأ مع انغماسه في الحياة الكونية، ومع سلوكه سبيل الزهد والتقشف، لا يحكمها حضور المدربين ولا تعليمهم.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٢٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٢٨٤