تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهل مرّت في التاريخ الإنساني عهود أفضل من عهود الخلفاء الراشدين رغم أنّ الفتن لم تتح لهم أن يكمّلوا بناء المشروع الإسلامي..؟ أليس من واجبنا أن نبحث عن أسرار هذا الكمال القرآني في العلوم والتشريع والسياسة والاقتصاد والأخلاق خلافاً لكلّ الدساتير والقوانين البشريّة التي لم تلحظ في تشريعاتها غير القسم الظاهر للإنسان، أي سلوكه الخارجي. بينما أراد الوحي أن يوفِّق بين ظاهر الإنسان وباطنه، واهتمّ بأبسط التفاصيل لتحقيق السعادة الإنسانية لذلك جعلها جزءاً من العبادة، وصولاً إلى الأخلاق، وعلاقات الحاكم بالمحكوم، لسدِّ كلّ ثغرةَ، وتحديد كلِّ تصرّف صحيح: "عن سلمان أنه قال له بعض المشركين وهم يستهزئون: أرى صاحبكم علّمكم كلّ شيء حتى الخراءة..؟ فقال سلمان: أجل أمَرَنا أن لا نستقبل القبلة بغائط ولا بولٍ ولا أن نستنجي بأيماننا، ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عَظْمٌ" (كنز العمال ـ 27202/ ج9). وهذا عند عدم توفر الماء. من أين جاء هذا الكمال في كلّ مجال..؟ وهذا الانسجام والتوافق بين الآيات خلافاً لكلِّ الشرائع البشريّة..؟ سيجيبنا الله بحوار عقلاني، ودعوة إلى التأمل حتى لا نؤمن ببعض الكتاب، ونكفر ببعض، لأنّ هذه الشريعة لمصلحة الإنسان حيثما كان. سيقول لنا الله: ﴿ أفلا يَتَدبَّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوَجدوا فيه اختلافاً كثيراً ﴾ (النساء/ 82). لو كان القرآن من عند غير الله كنّا سنجد فيه كما وجدنا في كتب السابقين من أمثال أفلاطون وأرسطو واللاحقين كثيراً من الاختلاف والتناقض. ولكنه الوحي الذي تلقته الروح المحمديّة وهي في قمّة كمالها عندما وصل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى قمة العبوديّة، فلم ينطق إلا بأمر الحقّ، وهو مستوى لم يبلغه أحد قبله، ولا يبلغه أحد بعده.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٢٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٢٨٠