لقد استعرضنا في بحثنا تجربة ثلاثة رجال، حاول كلُّ واحد منهم أن يستكشف عوالم المعرفة، وكان له في كلّ مرحلة عثرات تشهد عليه، وتقدّم يشهد له كلما اقترب من عالم الروح. فكان ما يشهد على عثرات عمر، وبالقياس عليه الصحابة رضي الله عنهم، جِدالهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وكان ما يشهد على تقدّمهم استسلامهم بين يديه، وتسليمهم لما أمر به. وهذا التسليم المطلق لا يمكن أن يحدث إلاَّ عن معرفة بالمسلِّم لمن سلَّم. ولهذا إذا أتيح للمخالف أو المجادل الإطّلاع على عالم الروح وشهود بعض حقائقه، لا بدَّ له من الندم على كلِّ جدال أو اعتراض أبداه في السرِّ أو العلن على معلمه الروحي إذا كان من أهل الكمال، لأنّه سيتحقق بأنّ اعتراضه لم يكن سببه إلاّ جهله بحقيقة المعلم، وحقيقة تصرّفه والآمر بما تصرف به، لمن لا يتصرف عن الهوى. ولكن هل كل معلّم روحي وصل إلى مقام ـ لا ينطق عن الهوى ـ إذا وصل إلى عالم الروح، وبرهن بالدليل عن وصوله، بالنبوءات والأخبار الصادقة قبل وقوعها؟. إنّ عالم الروح في الحقيقة هو نظير لعالم العقل، فكما أنّ العقل يعطينا في كلّ مرحلة من الاجتهاد والبحث علماً جديداً عن الوجود الظاهر، فكذلك عالم الروح، فإنّ الواصل إليه يرتقّي بشكل مستمر، وتزداد معرفته الروحيّة كلّما اجتهد وتخلّص من رعونات النفس، وزاد في عباداته وأعماله الصالحة. فهو سيظلّ في مزيد من الترقّي والمشاهدات التي لا تسمح له بالعودة إلى الأحوال السابقة بعد أن فاز بشهود الحقائق الإلهيّة التي لم يكن يعرفها من قبل، ولم يتصورّها، بل كان إلى إنكار قدرة الإنسان على شهود ما يُشهد بالروح أقرب منه إلى التصديق. ومع ذلك فإن قواطع الطريق تظلّ قائمة ولا يتخلّص منها الإنسان حتّى يُسْلم شيطانه الذي يجري في عروقه مجرى الدم كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٢٧٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٢٧٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي