إن فهمنا للغزالي يجعلنا نقول إنه لم يقصد إلى تعميم حكمه على الفلسفة والفلاسفة كما بيّن وبيّناً، وإنما على فلسفة زمانه، وما سبقها، بسبب ما وصله من معلومات ليست صحيحة كلها. وإن إشاراته إلى ما وصله من معلومات عن فلسفة أرسطو تدل على نقص معلوماته عنه حتى بعد تأليف كتابه (تهافت الفلاسفة). فهو يقول "ولقد قرب أرسطوطاليس مذهبه فيها من مذاهب الإسلاميين، على ما نقله الفارابي وابن سينا" (6). وهذا القول يدل على ضعف معلوماته التي اعتمد فيها على ما نقله الفارابي وابن سينا، عن أرسطو، مع أن أرسطو أبعد في مذهبه عن المسلمين والأقرب أفلاطون من حيث العقيدة. ولكن الغزالي مع ذلك معذور لأنه حكم على ما نقل إليه، ولم يحكم على ما كتبه هؤلاء مما لم يترجم في زمنه. فحكم على ظاهر أقوالهم دون أن يتعمق في دراسة مصطلحاتهم. ولهذا فإننا لا نرى، وإن كان ليس هذا موضوع بحثنا، بأن الغزالي قد أدان كل الفلسفة وكل فيلسوف ولكنه أدان المخطئ لا المصيب، وأدان الخطأ وقبلَ الصواب. وهو المطالب بالحكم على الرجال بالحق. ولهذا لا يجوز أن نفهم من كلامه بأنه ضد الفلسفة، أو بأنه يتهم كل فيلسوف بالانحراف عن الحق، وإن كان هذا هو الغالب في زمانه كما في زماننا. فالغزالي بحكم علمه ومنطقه وعدله أبعد عن مثل هذا التعميم الذي استغله من لم يفهموا الغزالي لإعلان حربهم على الفلاسفة في زمن ابن رشد وبعده، مع أن الإسلام سيكون بحاجة إلى الفلسفة لتأييد موقفه ودعمه بالمنطق الملائم لزمن الفلسفات. وهذا ما سيقوم به الفلاسفة المسلمون كما سنرى منذ البدايات.
التقدّم والتأخر في علم الروح