واللائق بأهل العلم، هو تذليل وقتهم وأنفسهم لمعرفة الحق، والصمت حين لا يتبين لهم الحق، لأن الله ما طلب من أحد الشهادة فيما لا يعلم، كما حرّم في كل شريعة الكذب وشهادة الزور. والحكيم يقول ما قاله ملوك اللسان، وإن كان المنافقون سيزينون لهم كل ما يقولون. فقد "تكلم أربعة من الملوك بأربع كلمات كأنما رميت عن قوس واحدة. قال كسرى: أنا على رد ما لم أقل أقوى مني على رد ما قلت. وقال ملك الهند: إذا تكلمت بكلمة ملكتني وإن كنت أملكها. وقال قيصر ملك الروم: لا أندم على ما لم أقل وقد ندمت على ما قلت. وقال ملك الصين: عاقبة ما قد جرى به القول أشد من الندم على ترك القول". (4). لقد عاد الغزالي بعد صمته إخلاصاً للحق وللخلق ليقول لنا ما لم يقدر على قوله قبل خلوته، فأصبحت كتبه حياة لأجيال من طلبة الحق، فعاش ومازال في أرواح كثيرة، فلم يمت، ومات كثيرون من أدعياء العلم وهم أحياء لأنهم آثروا الجاه والوصول، فماتوا في قلوب الناس قبل أن يدفنوا في القبور. ولهذا أوصى الرسول - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين، فقال لهم [موتوا قبل أن تموتوا] لأن الموت في الحق حياة ولأن [الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا]. وهذا ما أعطاه الغزالي رضي الله عنه للعلماء والجهلاء، حين آثر موت الجاه على موت العلم، فعاد بالعلم والجاه، والحياة. ولكن مع ذلك لنا سؤال لابد من الوقوف عنده، وهو: هل أنصف الغزالي الفلاسفة إذا حكم عليهم بمقياس واحد. ونسب إليهم اتهامات، لأنهم كما قال، خالفوا فيها المسلمين في ثلاث مسائل وهي "إن الأجساد لا تحشر، وإنما المُثاب والمعاقب هي الأرواح المجردة,. وقولهم، إن الله يعلم الكليات دون الجزئيات. وقولهم بقدم العالم وأزليته" (5). فهل يصح أن يشمل مثل هذا الحكم جميع الفلاسفة، ومن سيأتي منهم وإن كان غير مخالف للشريعة؟. وهل الاتهام أو التكفير يصح أن يطلق على علم معين وعلى من يعملون به وإن لم يخالفوا الشريعة؟.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٢٧١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٢٧١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي