1 ـ إن "وراء العقل طوراً آخر تنفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل، وأموراً أخرى العقل معزول عنها كعزل قوة التمييز عن إدراك المعقولات، وكعزل قوة الحس عن مدركات التمييز" (18).
2 ـ إن النبوة هي انكشاف للبصيرة التي وراء طور العقل "فكما أن العقل طور من أطوار الآدمي يحصل فيه عين يبصر بها أنواعاً من المعقولات، والحواس معزولة عنها، فالنبوة أيضاً عبارة عن طور يحصل فيه عين لها نور يظهر في نورها الغيب، وأمور لا يدركها العقل" (19).
3 ـ إن النبوة، وهي من التنبؤ بالمستقبل، يمكن أن تفهم بقياسها على الرؤيا الصادقة. فإذا كان الإنسان الصالح يشاهد في نومه أموراً، ثم تحدث هذه الأمور؛ بينما لا يستطيع أن يتنبأ بوقوع أي حادث وهو في اليقظة مهما أطال التفكير والتركيز بعقله، فإن عليه أن يدرك بأن الذي أنبأه بوقوع ما وقع، هو قوة خارجة عن علمه وإرادته، تعلم بكل ما سيحدث، وهو الله. فالرؤيا هي مثال لحالة من النبوة "لأن هذا إنما فهمته بأنموذج رزقته وهو النوم، ولولاه لما صدقت به. فإن كان للنبي خاصة ليس لك منها أنموذج فلا تفهمها أصلاً، فكيف تصدق بها؟ وإنما التصديق بعد الفهم؛ وذلك الأنموذج يحصل في أوائل طريق التصوف" (20). فالرؤيا ضرب مثل، وهي تكريم وعناية للصالحين، لكي يذوقوا طعم النبوة وهم عن حواسهم وقواهم النائمة غافلون "وقد قرب الله تعالى ذلك على خلقه بأن أعطاهم أنموذجاً من خاصية النبوة وهو النوم، إذ النائم يدرك ما سيكون من الغيب إما صريحاً وإما في كسوة مثال يكشف عنه التعبير" (21). فالرؤيا الصادقة هي بدايات النبوة والدليل عليها.