والأمر سيأتي لإمام الزمان، والإمام سيعتذر "فترخصت بيني وبين الله تعالى بالاستمرار على العزلة، تعللاً بالعجز عن إظهار الحق بالحجة؛ فقدر الله تعالى أن حرك داعية سلطان الوقت من نفسه لا بتحريك من خارج، فأَمر أمر إلزام بالنهوض إلى نيسابور لتدارك هذه الفتنة، وبلغ الإلزام حدّاً كاد ينتهي لو أصررت على الخلاف إلى حد الوحشة" (15). لقد انتهت مبررات العزلة بعد أن تحقق المطلوب واطمأن القلب "فلا ينبغي أن يكون باعثك على ملازمة العزلة الكسل والاستراحة... وصونها ـ أي النفس ـ عن أذى الخلق" (16). أيضنّ الحبيب بنفسه على مولاه، أو بعرق الجبين وتحمّل عدوان المبطلين؟ سيخرج الإمام إلى الخلق بأنوار الحق، بعد أن أفناه الحب، وعلم كما قال "إني لم أتحرك ولكنه حركني، وأني لم أعمل ولكنه استعملني" (17). أفلا يكون من كان هذا حاله، وعرف مقامه، أن يكون (عبداً شكوراً) كما كان سيد الرسل والأنبياء؟ لقد خرج الإمام، وراح يكتب رسائله المعطرة بعبق الروح إلى الخلق، فأدهش من كان يعرفه قبل السفر، فأحبه بعضهم، وأنكره بعضهم فقالوا تاه الإمام... ورحل من بغداد التي لا تتسع لخليفتين، فكان ما كان (فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر) وما بقي من الأخبار سيكشف عنه اللسان. ولكن إذا كان قد أحتاج الإمام إلى كل هذه السنوات للوصول وهو من العلماء الأجلاء، فكم سيحتاج غيره، وهل الطريق معبد لكل سالك، والكشف مضمون بمجرد الاعتزال. وهل يمكن تحقيق ما حققه الغزالي بتوجيه الروح إلى الحق، وإن كان الجسم بين الناس.. أم إنه لابد من الرحيل بالجسم والروح ليصح وصف الغرباء والثناء عليهم، بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - "طوبى للغرباء"؟ ثم ما هي الثمار المعرفية الأساسية لهذه الخلوة؟
لقد بيّن الإمام الغزالي خلاصة تجربته الروحية في العديد من الكتب. وإن أهم النتائج التي نستخلصها مما ذكره الغزالي هي التالية: