تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسيحدثنا عن بعض مشاهداته قائلاً "من أول الطريقة تبتدئ المشاهدات والمكاشفات، حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتاً ويقتبسون منهم فوائد. ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق" (14). ومن كان هذا حاله ومقامه، كيف سيعود إلى الخلق، وكيف سيتمكن من العيش معهم مع ضعف إيمانهم، ورداءة سلوكهم، وقلة الأتقياء بينهم، وكثرة المنافقين الذين يقولون ما لا يفعلون. والقلب قد صار صافياً يعكس ما يفكرون، ويكشف عما يخططون، وهو ينظر إليهم بنور الله فيفهم حركاتهم وسكناتهم ومعبودهم. فهل يستطيع من يسكن في الحدائق الغناء والقصور الظليلة أن يعود للإقامة بين عقارب الصحراء على قلة الطعام والماء. سيسقط أبو يزيد مغشياً عليه حين أمره الحق بالخروج إلى الناس، قائلاً: أخرج إليهم بصورتي وخاطبهم بلساني. سيسقط وهو يخطو الخطوة الأولى. وسيأمر الحق ملائكته ـ ردوا على حبيبي فإنه لا يطيق الابتعاد عني ـ هذا هو لسان حال كل من ذاق الأنس في حضرة الربوبية، وارتدى مع الحق لباس العبودية. ولكن أمر الحق إذا جاء بالخروج إلى الخلق لابد منه، فالعبد مطيع لمن أحب. وهو لشدة حبه عند طلب سيده، بل إن طلب السيد يسعده وإن سبب له العذاب، وهذا طور آخر من تجليات الحق ﴿ فاصدع بما تؤمر ﴾ ليكتمل برهان الحب. أنقذ عبادي، وأشفق عليهم، وأخرج إليهم بأنواري، فإنك عندي، فالحبيب لا يبتعد عن الحبيب، وإن كان قد قال ما قال أبو يزيد في كلامه الغريب. أما سمعت ما قاله حين تلا القارئ ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ (مريم/ 85)، كيف صرخ وضرب رأسه وقال "كيف يحشر إليه من هو عنده". فما خرج أبو يزيد عن الحضرة وما ابتعد عنها وإن مشى.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٢٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٢٥٩