وكانت حوادث الزمان ومهمات العيال وضرورات المعاش تغير فيّ وجه المراد، وتشوش صفوة الخلوة. وكان لا يصفو لي الحال في أوقات متفرقة؛ لكني مع ذلك لا أقطع طمعي منها، فتدفعني عنها العوائق وأعود إليها. فدمت على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها. والقدر الذي أذكره لينتفع به: أني علمت يقيناً أن الصوفية هم السابقون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق؛ بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً؛ فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مشكاة النبوة؛ وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به" (الرسائل ـ 553).
سيجد الغزالي الجواب على أسئلته وحيرته بعد تصفية القلب من أطماع الدنيا، واللجوء إلى الله، في خلوة دامت أكثر من عشر سنوات. فهل جاءه الجواب بعد السنوات العشر، وهل يعقل أن يترك إنسان أولاده وأسرته ومنصبه ورزقه طيلة هذه السنين دون أي إشارة أو دليل على تحقيق ما يريد خلال هذه السنوات. سيقول الغزالي، لا، إذ لولا البشارة لما أمكن الصبر على مرارة العزلة، لو كانت حقاً مرارة، وهي في الحقيقة حلاوة وسعادة لا توصف، ولا يعرفها إلا الذائق لها. ولهذا سيقول:
"وكان ما كان ممّا لست أذكرُه ... فَظُنَّ خيراً ولا تسأَلْ عن الخبر"